التشجيع الحماسي لكرة القدم قد يجهد القلب
برلين ـ حذّر أطباء وباحثون من أن الانفعالات العاطفية الشديدة المصاحبة لمتابعة مباريات كرة القدم، ولا سيما خلال بطولات كأس العالم، قد تشكّل عبئا إضافيا على الجهاز القلبي الوعائي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضاً قلبية أو لديهم عوامل خطورة مسبقة.
وكشفت دراسة نقلها موقع 'يورونيوز'، وأجراها كريستيان دويتشر، أستاذ اقتصاد الرياضة في جامعة بيليفيلد الألمانية، بالتعاون مع فريق بحثي، أن الحماس والتوتر أثناء المباريات قد يرفعان معدل نبض القلب إلى نحو 150 نبضة في الدقيقة، وهو مستوى يقترب مما يسجله الجسم أثناء الجري السريع.
وأوضحت الدراسة، أن ذروة التوتر لا ترتبط فقط بلحظات تسجيل الأهداف، بل تتصاعد أيضا في فترات الترقب الحاد وعدم اليقين، مثل ركلات الترجيح أو مراجعات حكم الفيديو المساعد الـ(فار)، حيث ترتفع مؤشرات الإجهاد والانفعال لدى المشجعين بشكل واضح.
واعتمد الباحثون على أجهزة قابلة للارتداء لقياس نبض القلب ومستويات التوتر لدى المشجعين خلال نهائي كأس ألمانيا عام 2025، مع مقارنة النتائج ببيانات سُجلت خلال أنشطة يومية عادية امتدت على مدى 12 أسبوعا.
وأظهرت النتائج أن المشجعين داخل الملاعب كانوا الأكثر تأثرا، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، في حين سجّل مشجعو المنازل ارتفاعاً في نبض القلب يصل إلى مستويات مشابهة لما يحدث أثناء المشي، رغم بقائهم في حالة جلوس.
وقال الدكتور دان أتار، أستاذ أمراض القلب في جامعة أوسلو، إن الحماس الرياضي لا يشكّل خطراً بحد ذاته لدى معظم الأشخاص، لكنه قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي عندما يقترن بعوامل أخرى مثل الإجهاد العاطفي، وارتفاع الحرارة، وتناول الكحول، خصوصاً لدى مرضى القلب.
وأشار الأطباء إلى أن التشجيع الحماسي يؤدي إلى ارتفاع هرموني الأدرينالين والكورتيزول في الجسم، وهو ما ينعكس بشكل مؤقت على معدل نبض القلب وضغط الدم.
وفي دراسة سابقة قادتها الباحثة مارثا نيوسون من جامعة أكسفورد، تبيّن أن علاقة المشجع بفريقه تتجاوز حدود العاطفة، لتترك آثارا جسدية ملموسة. وتقول نيوسون، "المشجعون الذين يشعرون باندماج قوي مع فريقهم يُظهرون أعلى مستويات الاستجابة الفسيولوجية للتوتر أثناء مشاهدة المباريات".
واختار الباحثون نهائيات كأس العالم في البرازيل عام 2014 ميدانا للدراسة. وجُمعت عينات لعاب من مشجعين برازيليين قبل المباريات وأثناءها وبعدها، بما في ذلك مباراة نصف النهائي التاريخية التي انتهت بخسارة البرازيل أمام ألمانيا بنتيجة 1-7.
وأظهرت النتائج ارتفاعا حادا في مستويات الكورتيزول لدى المشجعين الأكثر اندماجا، مع بلوغها ذروتها في لحظات الهزيمة، ما يشير إلى أن الخسارة الرياضية لا تقتصر على أثرها النفسي، بل تمتد إلى استجابات فسيولوجية واضحة في الجسم.
وأظهرت البيانات غيابا شبه كامل للفوارق بين الجنسين في مستويات التوتر، بل إن النساء أبدين ارتباطا بالمنتخب الوطني يفوق الرجال قليلا.
وتضع هذه النتيجة تحت المراجعة الصورة النمطية التي تربط كرة القدم بالرجال، وتفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة الانفعال الجماهيري لدى الجنسين.
لا يقتصر تأثير ارتفاع الكورتيزول على لحظات المباراة، بل قد يمتد ليشكل خطراً صحياً عند تكراره أو استمرار، إذ يرتبط الكورتيزول المزمن بضعف المناعة، وزيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم، ما يرفع بدوره احتمالات الإصابة بأمراض القلب.
وقد ربطت دراسات سابقة بالفعل بين أيام المباريات الكبرى وارتفاع معدلات النوبات القلبية. وترى نيوسون أن هذه النتائج قد تدفع الأندية الرياضية مستقبلا إلى التفكير في برامج وقائية، مثل الفحوصات القلبية للمشجعين الأكثر اندماجاً، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للتوتر الشديد.
ولا تتوقف دلالات الدراسات عند الجانب الصحي الفردي، بل تمتد إلى السلوك الجماهيري أيضا، إذ تربط الباحثة بين ارتفاع مستويات التوتر وبين مظاهر مختلفة في الملاعب، تبدأ من الهتافات والأغاني الحماسية، وقد تصل في بعض الحالات إلى أعمال الشغب والعنف.
وترى أن تطوير استراتيجيات تهدف إلى خفض مستويات التوتر بعد المباريات الشديدة قد يسهم في تقليل هذه الظواهر، والحد من العنف المرتبط أحياناً بالمنافسات الرياضية.
تفتح هذه النتائج نافذة جديدة على فهم العلاقة بين الإنسان وكرة القدم، حيث لا تقتصر الملاعب على كونها فضاءً للمتعة والتشجيع، بل تتحول أيضاً إلى بيئة تكشف تفاعل الجسد والعقل مع الانفعال الجماعي.