التقارب الروسي العراقي يثير مخاوف واشنطن

إدارة ترامب تنفي وجود نوايا فورية لفرض عقوبات على بغداد بموجب قانون 'كاتسا' لكن الرسائل الصادرة عن واشنطن تحمل في طياتها مؤشرات واضحة إلى أن تعزيز النفوذ الروسي في العراق يمثل خطًا أحمرًا.
مجرد طرح 'كاتسا' في سياق العلاقة العراقية الروسية يُعد تحذيرًا مبطنًا من واشنطن

بغداد - يشكّل التقارب الأخير بين العراق وروسيا، خصوصًا في الجوانب العسكرية والأمنية، مصدر قلق متزايد لواشنطن، لاسيما في أعقاب زيارة لافتة أجراها سكرتير مجلس الأمن الروسي، سيرغي شويغو، إلى بغداد. وتكتسب الزيارة أهميتها من مستواها السياسي العالي وتوقيتها الحرج، في ظل تصاعد التوتر بين موسكو والغرب على خلفية الحرب في أوكرانيا، واستمرار العقوبات الغربية المشددة المفروضة على روسيا منذ عام 2022، ما يجعل أي تقارب مع الكرملين محط مراقبة أميركية دقيقة.
ورغم نفي وزارة الخارجية الأميركية وجود نوايا فورية لفرض عقوبات على العراق بموجب قانون "مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات" المعروف اختصارًا بـ"كاتسا" فإن الرسائل الصادرة عن واشنطن تحمل في طياتها مؤشرات واضحة إلى أن تعزيز النفوذ الروسي في العراق يمثل "خطًا أحمرًا" في حسابات السياسة الأميركية بالمنطقة.
ورفض المتحدث باسم الخارجية الأميركية في تصريحات التعليق على إمكانية اتخاذ خطوات عقابية تجاه بغداد وفق ما نقله موقع " شفق" نيوز الكردي العراقي، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة لن تستبق أية قرارات محتملة"، لكنه شدد في المقابل على أن الجيش الأميركي يوفّر تكنولوجيا عسكرية متفوقة وخبرة طويلة لشركائه العراقيين، وهو ما يُعد تلميحًا واضحًا لعدم ارتياح واشنطن من احتمال انجراف بغداد نحو التعاون مع موسكو في مجالات عسكرية حساسة.
واكتفى المتحدث بالقول إن "الولايات المتحدة ملتزمة بشراكتها مع العراق، وتدعم جهوده لبناء دولة ذات سيادة واستقرار، وخالية من الإرهاب"، دون الإفصاح عمّا إذا كانت واشنطن قد نقلت مباشرةً أية مخاوف إلى الحكومة العراقية بشأن مستوى التعاون الجديد مع روسيا.
ويمكّن قانون "كاتسا" الإدارة الأميركية من فرض عقوبات على الدول أو الكيانات التي تعقد صفقات عسكرية أو استخباراتية مع خصوم الولايات المتحدة، وعلى رأسهم روسيا. وكان القانون قد استخدم سابقًا ضد تركيا بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية "اس 400"، ما يجعل العراق عرضة لإجراءات مماثلة إذا تجاوز حدودًا معينة في تنسيقه العسكري مع موسكو.
ويقول مراقبون إن مجرد طرح "كاتسا" في سياق العلاقة العراقية الروسية يُعد تحذيرًا مبطنًا من واشنطن، خاصة في ظل حساسية التوقيت، حيث تقترب القوات الأميركية من إنهاء مهمتها القتالية في العراق، والتحول إلى شكل جديد من الشراكة الأمنية الثنائية، قد يتأثر سلبًا في حال ازداد التقارب بين بغداد وموسكو.
وفي المقابل، تُبدي بعض الأوساط السياسية العراقية قلقًا من إمكانية أن ترد واشنطن عبر تقليص مساعداتها الاقتصادية أو تقليص مستوى التعاون في مجال مكافحة تنظيم "داعش"، الذي لا تزال خلاياه النائمة تمثل تهديدًا أمنيًا في بعض المناطق العراقية.
وتستند هذه المخاوف إلى سوابق أميركية في التعامل مع حلفاء سابقين انخرطوا في علاقات أمنية مع موسكو، فضلاً عن الطبيعة الحساسة للمؤسسات الأمنية العراقية، التي تعتمد على دعم لوجستي وتدريب وتسليح غربي، خاصة في مجال سلاح الجو والاستخبارات.
وتحمل زيارة شويغو إلى بغداد دلالات استراتيجية تتجاوز التعاون العسكري الثنائي، إذ يُنظر إليها في واشنطن باعتبارها محاولة روسية لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في قلب المنطقة العربية، مستفيدة من التراجع الأميركي النسبي في بعض الساحات، والانشغال الغربي بالحرب في أوكرانيا.
وكان المسؤول لروسي قد ناقش خلال الزيارة ملفات التعاون العسكري والتقني، وهو ما يثير مخاوف أميركية من احتمال انتقال هذا التعاون إلى مجالات تشمل أنظمة تسليح أو تدريب متقدمة، أو حتى اتفاقيات قد تسمح بتواجد روسي دائم في العراق، على غرار النموذج السوري.
رغم نفي واشنطن اتخاذ قرارات فورية، إلا أن مسار العلاقة بين بغداد وموسكو سيكون تحت المراقبة الدقيقة في المرحلة المقبلة، خاصة إذا اتخذ التعاون منحىً استراتيجيًا طويل الأمد. وفي الوقت الذي تسعى فيه بغداد للحفاظ على توازنها في علاقاتها الدولية، قد تجد نفسها قريبًا أمام اختبار دقيق لمعادلة الشراكة مع واشنطن والرهان على موسكو.