التهديد الإرهابي يتصاعد مع تقدم "نصرة الإسلام" في النيجر ومالي

تبادل للأسرى بين الإرهابيين والحكومة في مدينة غاو بمالي، في خطوة تظهر تزايد نفوذ الجماعات المسلحة وقدرتها على فرض شروطها على الأرض.

باماكو – كثفت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، الهجمات الجهادية المسلحة ضد عدة دول في غرب إفريقيا، وخاصة مالي والنيجر، واستطاعت تحقيق انتصارات في عدة مواقع عسكرية حيث باتت القوة الجهادية الأولى في منطقة الساحل.

وأعلنت الجماعة سيطرتها الكاملة على موقع عسكري في قرية آسامقا بمحافظة أغاديس شمالي النيجر، بالقرب من الحدود الجزائرية. دون أن تفصح عن حصيلة الضحايا، بينما لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة أو الجيش النيجري على الحادث.

وتواجه النيجر تمرداً متصاعداً من مجموعات متطرفة تشمل بالإضافة إلى جماعة "نصرة الإسلام"، تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" وجماعة "بوكو حرام". ورغم الجهود الحثيثة للمجلس العسكري الحاكم في مكافحة الإرهاب، لا تزال البلاد تعاني من هشاشة الوضع الأمني، خاصة على الحدود مع مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد.

وأصبحت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" واحدة من أخطر الجماعات الجهادية في إفريقيا خلال بضع سنوات فقط. وتشكّلت الجماعة في مالي عام 2017، كائتلاف يضم 5 جماعات مسلحة جهادية هي أنصار الدين وكتيبة ماسينا والمرابطون وأنصار الإسلام وفرع الصحراء من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وقد بدأت هذه الجماعات بالتعاون بعدما تمكنت القوات الفرنسية من دحر عدد من التنظيمات الجهادية والانفصالية التي كانت تنشط في شمال مالي عام 2012. وفي نهاية المطاف، اجتمع قادة هذه الجماعات لتشكيل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

ويقول محللون إن ضعف الحكومات في ظل المجالس العسكرية الحاكمة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر سمح لجماعات متطرفة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالازدهار.

وفي السنوات الأخيرة، وسّعت الجماعة من نطاقها الجغرافي، وأقامت مناطق جديدة للعمليات. ويقول المحللون أن القيادة المركزية للجماعة تُوجّه الفروع المحلية التي تنشط في منطقة الساحل بغرب إفريقيا.

وفي تطور مأساوي، أفادت تقارير محلية عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين في غارات جوية للجيش النيجري استهدفت مسلحين في منطقة إنجار الحدودية.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن شهود عيان تأكيدهم وقوع "عشرات الضحايا" في هذه العمليات، مما دفع السلطات إلى إرسال حاكم منطقة تيلابيري لتقديم التعازي للمتضررين.

ويعاني السكان المحليون في المناطق الحدودية من هجمات متكررة يقوم بها مسلحون يستخدمون الدراجات النارية لسرقة المال والماشية. وقد حثّ المسؤولون السكان على تجنب استخدام الدراجات النارية التي يستغلها المسلحون في عملياتهم.

في وقتٍ من الأوقات في مالي، كانت الجماعة تجمع الأموال من خلال خطف الأجانب مقابل فدية، لكن عدد الأجانب في البلاد تراجع بسبب تدهور الوضع الأمني. وقد أصبحت سرقة المواشي الآن مصدر دخل رئيسي.

وتواجه النيجر هذه التحديات الأمنية في وقت تشهد فيه إعادة رسم لتحالفاته الاستراتيجية، مع تراجع النفوذ الغربي وصعود شراكات جديدة، خاصة مع روسيا. حيث شهدت النيجر في يناير 2024 حوادث مماثلة أسفرت عن سقوط مدنيين في غارات جوية، مما يسلط الضوء على التعقيدات الأمنية والتحديات الإنسانية التي تواجهها البلاد في حربها ضد الإرهاب.

وتعاني بلدان الساحل في مواجهة التطرف العنيف، حيث اقتحم مقاتلو جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي ثكنة عسكرية يوم الأحد الماضي واستولوا على الأسلحة والذخيرة قبل مغادرتهم.
 وتشهد البلاد تدهورا أمنيا مستمرا مع شح الوقود وارتفاع الأسعار، بينما نفذت القوات المالية عمليات ضد الجماعات المسلحة، مما أسفر عن مقتل مسلحين وتدمير مواقع.

وعرضت الجماعة مقاطع فيديو لاحقاً لعناصرها وهم يغادرون بسيارة "مرسيدس 190" أمام أنظار السكان، دون أن تتعرض لأي مضايقة تذكر.

وفي الوقت ذاته، تشهد العاصمة باماكو ومدن كبرى أخرى أزمة وقود متصاعدة، حيث يعاني السكان من شح في المحروقات وارتفاع متزايد في الأسعار، فيما تواصل الجماعات المسلحة شن هجماتها على خطوط الإمداد، كما حدث لقافلة الوقود القادمة من غينيا والتي تعرضت لهجوم مسلح على الطريق السريع برفقة قوات عسكرية.

وفي تطور لافت، أفادت مصادر محلية بحدوث تبادل للأسرى بين الطرفين في مدينة غاو، حيث أعيد عدد من المحتجزين إلى باماكو على متن طائرة تابعة لشركة "سكاي مالي"، في خطوة تظهر تزايد نفوذ الجماعات المسلحة وقدرتها على فرض شروطها على الأرض.

لكن الجيش المالي لم يقف مكتوف الأيدي، حيث شن سلسلة من العمليات النوعية شملت ضربات جوية وبرية مكثفة أسفرت عن تدمير معسكرات تدريب ومخابئ للجماعات المسلحة في مناطق متفرقة، كما تمكّن من تفكيك أكثر من 12 مخبأً للمتشددين في منطقتي فايا وسوسان، فيما استهدفت عمليات أخرى مناطق نارا وكونديولي ماودي، أسفرت عن إبادة العشرات من المسلحين وتدمير منشآت لتصنيع المتفجرات ومخازن أسلحة.

يأتي هذا في سياق مشهد أمني متدهور تشهد فيه المناطق الريفية انعداماً متصاعداً للأمن على الطرقات الرئيسية، حيث تتصاعد الغارات المسلحة رغم الجهود العسكرية الجارية، مما يضع المدنيين في قلب دوامة العنف والأزمة الإنسانية المتصاعدة.

ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير لها عن مسؤولين إقليميين وغربيين قولهم إن جماعة نصرة الاسلام أمست القوة المتشددة الأكثر تسليحاً في غرب إفريقيا، وصارت من أقوى الجماعات في العالم، إذ تضم ما يصل إلى 6.000 مقاتل.

ولا تتوانى عن توسيع شبكاتها من المخبرين وسلاسل الإمداد لتشمل بلدان مستقرة مثل غانا وغينيا والسنغال، كما ينتشر عنفها جنوباً وغرباً.

وقال هِني نسايبيا، المحلل الأول لشؤون غرب إفريقيا في مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها، لواشنطن بوست "يقيمون دولة شبه مستقلة تمتد كالحزام من غرب مالي وصولاً إلى المناطق الحدودية في بنين… وهذا توسعٌ كبيرٌ، بل وفائق السرعة".

وذكر المشروع أنها قتلت ما يقارب 6.000 من المدنيين في الخمس سنوات الماضية، ولم تُفلح الاستراتيجيات المحلية للتصدي لها، كما أن الفظائع التي ارتكبتها قوات الأمن، وخاصةً بحق قبائل الفولاني، شجعت الأهالي على التجنيد في صفوفها.