الثور ودِمنة… العراق بين مكيدة السياسة ووهم الصناديق
من يقرأ قصة الثور ودِمنة في كليلة ودمنة يدرك أن الحكاية ليست مجرد صراع في غابة، بل درس عابر للعصور عن الدولة حين تفقد مناعتها، وعن النصيحة حين تختنق، وعن السياسة حين تتحول إلى دهاء يتغذّى على خوف الحاكم وسذاجة المخلصين.
دِمنة لم يكن أقوى من الثور، لكنه كان الأكثر قدرة على صناعة الشك، والهامس الأقدر على تحويل كلمة صغيرة إلى قرار يهدم حياة كاملة. وهذه الحكاية لم تعد مجرد رمز… إنها مرآة العراق في انتخاباته السادسة.
فالاقتراع الأخير لم يقدّم للعراقيين تحولًا يُذكر، بل كشف عمق المأزق. تغيّرت الأرقام، نعم، لكن العقول التي تدير اللعبة بقيت على حالها: عقل لا يرى الشراكة إلا عبئًا، ولا الفيدرالية إلا خطأً يجب تقليصه، ولا التنوع إلا فرصة لتقوية المركز وإضعاف الأطراف. تمامًا كما أراد دِمنة تغيير موقع الثور قرب الأسد، تريد بعض القوى اليوم تغيير موقع العراق داخل نفسه: تحويل الأغلبية إلى سلطة مطلقة، والمركزية إلى بديل عن الدولة الاتحادية، والصناديق إلى أداة لإعادة ترتيب النفوذ.
خرج العراق من الانتخابات محمّلًا بأسئلة أكبر مما دخل به: هل تستطيع الأغلبية أن تحكم دون أن تكسر التوازن؟ وهل تبقى الفيدرالية حيّة إذا استمر الضغط عليها؟ وهل ما تزال الشراكة ممكنة بين أطراف يتوجس كلٌّ منها من الآخر أكثر مما يثق به؟
في الساعات الأولى بعد إعلان النتائج، ظهرت بوادر انقسام واضح بين مشروعين:
مشروع يرى أن العراق لا يمكن أن يُدار إلا بالتوازن والتفاهم، ومشروع آخر يريد عراقًا يُدار من مركز واحد وبمنطق “الغالب والمغلوب”. ومثلما تعتمد مكيدة دِمنة على تفكيك العلاقة بين الثور والملك، تعتمد بعض القوى اليوم على تفكيك العلاقة بين مكوّنات العراق: بين بغداد وأربيل، بين المركز والمحافظات، وبين شريكين كان يفترض أن يجمعهما الدستور لا أن تفرقهما السياسة.
وفي تقارير Carnegie و Chatham House و International Crisis Group يتكرر التحذير ذاته: إن أخطر ما يواجه العراق ليس تعدد الكتل، بل تعدد “الدِّمنات” داخل الطبقة السياسية — العقول التي تعمل في الظل، وتعيد تشكيل التحالفات بوسائل غير معلنة، وتحوّل الدولة إلى ساحة لإدارة النفوذ بدلًا من إدارة الحكم.
وهنا يصبح تشكيل الحكومة المقبلة امتحانًا لا في الدستور، بل في النوايا. فإن كانت النية الذهاب نحو أغلبية تُقصي الشركاء، سيجد العراق نفسه أمام مرحلة صدام جديدة:
فالأغلبية الحزبية في بلد متعدد لا تتحول تلقائيًا إلى أغلبية وطنية؛ والمركزية المفرطة تصطدم حتمًا بالفيدرالية؛ وأي حكومة بلا ثقة لن تصمد مهما امتلكت من أصوات.
تجارب 2010 و2018 و2021 — كما تثبت وثائق UNAMI وتحليلات معهد واشنطن — توضح أن حكومات بلا اتفاق وطني تتحول بسرعة إلى ساحات نزاع داخلي. وأن الإقصاء ينجح يومًا أو يومين، لكنه لا يصنع دولة. وأن المركزية التي تتضخم فوق الحد تولّد أزمة شرعية قبل أن تولّد أزمة حكم.
ومثل الثور في القصة، ليست مشكلة العراق أنه ضعيف، بل أنه صادق في زمن يكاد الصدق يصبح خطأً سياسيًا. الدول لا تسقط بسبب أعدائها، بل بسبب الذين يحيطون بالحاكم ويصنعون له رواية تخدمهم لا تخدمه. هذا هو دِمنة الحقيقي: ليس شخصًا، بل عقلية.
اليوم، يحتاج العراق إلى أن يسمع صوت الثور: صوت الحقيقة التي لا تخاف، الشراكة التي لا تُساوَم، الفيدرالية التي ليست كماليات بل صمّام حياة. فالدولة التي يُعاد تشكيلها على أساس المكيدة لا على أساس المصلحة العامة ستسقط ولو بعد حين.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يعلّق فوق السياسة كلها:
هل نريد حكومة تُرضي الفائزين… أم دولة تُنقذ العراقيين؟
التاريخ لا يتذكّر عدد المقاعد، بل يتذكر من حافظ على البلاد حين كانت على مفترق الطرق. وفي كل مرة يُعاد فيها إنتاج الأزمة، يعود السؤال نفسه الذي أنهى قصة دِمنة:
من المستفيد الحقيقي من الفوضى؟ ومن الذي يدفع الثمن؟
وإذا لم يُجب العراق على هذا السؤال الآن، فستستمر الحكاية كما بدأت:
ثور صادق، ودِمنة ماكر… ودولة تدفع ثمن نصيحة لم تُسمَع.