الجيش المغربي في غزة.. خبرة ومصداقية لدعم أمن الفلسطينيين واستقرارهم
يكتسب التحاق عناصر من القوات المسلحة الملكية المغربية بقوة الاستقرار الدولية المرتبطة بقطاع غزة أهميته من طبيعة اللحظة التي يمر بها القطاع، ومن نوعية الخبرة التي يمكن أن تقدمها المملكة داخل جهد دولي لا يضم المغرب وحده، بل عددا من الدول المساهمة في ترتيبات ما بعد الحرب، فالسؤال الجوهري لا يتعلق فقط بمن سيشارك في هذه القوة، بل بما سيحصل عليه الفلسطينيون من حضور كل دولة، وبمدى قدرة هذه المساهمة على تحويل وقف إطلاق النار إلى بداية استقرار قابل للحياة.
قرار مجلس الأمن 2803 منح قوة الاستقرار الدولية مهاما تتجاوز مراقبة الهدنة، إذ ربطها بحماية المدنيين، وتسهيل العمليات الإنسانية، وتأمين الممرات، ودعم الشرطة الفلسطينية المدربة، والمساهمة في خلق بيئة تسمح بإعادة الإعمار. والتحليلات الدولية التي تابعت هذا المسار تكاد تجمع على أن نجاح القوة لن يقاس بانتشارها العسكري فقط، بل بقدرتها على كسب قبول السكان، وتقديم فوائد مبكرة وملموسة، وتجنب الفراغ الأمني، وربط الأمن بأفق سياسي يعيد المسؤولية تدريجيا إلى مؤسسات فلسطينية ذات شرعية.
هنا تظهر القيمة المضافة للمغرب، فالمملكة تدخل هذه المعادلة وهي تحمل رصيدا خاصا من المصداقية، لا يتأسس فقط على علاقاتها المتوازنة مع أطراف دولية وإقليمية متعددة، بل أيضا على تاريخ طويل في دعم فلسطين، وعلى رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، وعلى عمل إنساني متواصل ما جعل الموقف الجيش المغربي أقرب إلى الفعل الميداني الموثوق والملموس.
وقد سبق للمغرب أن استثمر قنواته وعلاقاته لتمرير مساعدات إلى غزة عبر مسارات دقيقة، منها المساعدات التي دخلت القطاع عبر معبر كرم أبوسالم، في وقت كانت فيه صعوبة إيصال الإغاثة إحدى أكبر مشكلات الحرب.
هذه المصداقية مهمة لأن قوة الاستقرار ستشتغل في بيئة شديدة الحساسية، فالغزاويون لن ينظروا إلى أي قوة دولية من زاوية نصوص القرارات فقط، بل من زاوية ما تفعله على الأرض. لذلك يصبح حضور دولة مثل المغرب ذا قيمة عملية، لأنه يجمع بين القبول العربي والإسلامي، والخبرة العسكرية في حفظ السلام، والالتزام الملكي الثابت تجاه الفلسطينيين. والمغرب، في هذا السياق، لا يقدم نفسه كبديل عن باقي المساهمين، بل كطرف يضيف إلى القوة الدولية خبرة ومصداقية وقدرة على العمل الهادئ داخل بيئة معقدة.
وقد حدد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في الاجتماع المرتبط بـ'مجلس السلام'”، ملامح المساهمة المغربية بصورة عملية، حين تحدث عن إيفاد ضباط متخصصين إلى قوة الاستقرار الدولية، والمساهمة في تدريب الشرطة الفلسطينية، وإقامة مستشفى ميداني في غزة. وهذه العناصر الثلاثة تكشف أن المقاربة المغربية لا تنحصر في الانتشار العسكري، بل تنظر إلى الاستقرار كسلسلة مترابطة تبدأ بتأمين المجال، وتمر عبر دعم الخدمات الأساسية، وتنتهي ببناء قدرة فلسطينية محلية على تدبير الأمن اليومي.
على المستوى العسكري، تستطيع القوات المسلحة الملكية أن تقدم خبرة متراكمة في ضبط الميدان بعد النزاعات، فالمغرب شارك منذ عقود في عمليات حفظ السلام، خصوصا داخل بعثات أممية في إفريقيا، حيث اشتغلت عناصره في بيئات تشبه في بعض خصائصها مرحلة ما بعد الحرب، من حيث هشاشة المؤسسات، وتعدد الفاعلين، والحاجة إلى حماية المدنيين، وتأمين الطرق والمناطق الحساسة.
هذه التجربة تجعل العسكري المغربي مؤهلا لفهم أن الاستقرار لا يعني فقط منع إطلاق النار، بل يعني حماية الطريق الذي تمر منه المساعدة، وتأمين محيط المستشفى، وتنظيم الحركة حول المرافق الحيوية، وخفض الاحتكاك بين السكان والقوات المختلفة.
وفي غزة، ستكون هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق بالنسبة إلى السكان، فالأسرة التي يصلها الدواء، والطفل الذي يجد ممرا آمنا إلى العلاج، والتاجر الصغير الذي يستطيع العودة تدريجيا إلى نشاطه، والمؤسسة المحلية التي تستعيد الحد الأدنى من العمل، كلها مؤشرات على أن الأمن بدأ يتحول إلى خدمة يومية.
ومن هنا تتقاطع الخبرة العسكرية المغربية مع الحاجة الفلسطينية الملحة إلى أمن لا يبقى حبيس الحواجز ونقاط المراقبة، بل يفتح الطريق أمام المساعدات وإعادة تشغيل الحياة.
وتمنح الرؤية الملكية لهذه المشاركة عمقها السياسي، بالعاهل المغربي الملك محمد السادس ظل يؤكد، بصفته رئيسا للجنة القدس، أن دعم الفلسطينيين يقوم على الدفاع عن حقوقهم الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعلى رفض تهجير السكان، وضمان تدفق المساعدات، وإطلاق إعادة الإعمار تحت إشراف فلسطيني وبدعم عربي ودولي.
كما أن المساعدات الطبية والإنسانية التي أمر بها في 2024 و2025، ومنها أربعون طنا من المساعدات الطبية ثم حوالي مئة طن من المواد الغذائية والأدوية، تعطي للمشاركة المغربية الحالية امتدادا ملموسا في ذاكرة الغزاويين.
أما الجانب الأمني والشرطي فيمثل الحلقة التالية في هذا المسار، فتدريب الشرطة الفلسطينية، عندما تسمح الظروف بذلك، سيجعل الاستقرار أقل ارتباطا بالقوة الدولية وأكثر ارتباطا بقدرة الفلسطينيين على حماية مجتمعهم بأنفسهم. وهنا يمكن للنموذج المغربي في التكوين الأمني والشرطي، القائم على المهنية والتنسيق والاستباق والقرب من المجتمع، أن يقدم دعما مهما لتكوين شرطة فلسطينية قادرة على تنظيم المجال العام، وحماية المساعدات، وضبط الجريمة، ومرافقة عودة المؤسسات.
وعليه، لا تكمن قيمة المغرب داخل قوة الاستقرار في أنه واحد من المساهمين العسكريين فقط، بل في نوعية ما يحمله إلى المهمة، فهو يملك تجربة عسكرية في حفظ السلام، ومصداقية سياسية في الملف الفلسطيني، وقنوات عملية أثبتت فائدتها في إيصال المساعدات، ورؤية ملكية تجعل دعم فلسطين مسؤولية مستمرة لا ترتبط بالظرف.
وإذا كان نجاح القوة الدولية سيتوقف على قدرتها على تحويل الأمن إلى فوائد ملموسة للسكان، فإن المساهمة المغربية تستطيع أن تساعد في جعل الاستقرار أكثر قربا من حاجات الغزاويين اليومية، وأكثر ارتباطا بانتقال منظم نحو مسؤولية فلسطينية محلية.