الحشد الشعبي.. معضلة تنذر باعادة صياغة الشراكة الأميركية العراقية

المعهد الأطلسي الأميركي يرى أن التحركات الأميركية ليست تكتيكية فحسب، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لاحتواء المحور الإيراني في المنطقة بعد السابع من أكتوبر.
واشنطن تضغط وبغداد تناور: توازن هش بين السيادة والاصطفاف الإقليمي
من عقوبات الاقتصاد إلى دبلوماسية الهاتف: واشنطن تعيد رسم خطوطها الحمراء في بغداد
واشنطن تمهّد لمرحلة ما بعد الانتخابات: مرشح بلا ارتباطات بالحشد الشعبي؟

واشنطن - تشهد العلاقات الأميركية – العراقية مرحلة من التذبذب الدقيق بين الشراكة الاستراتيجية والتوتر المتصاعد، على وقع ضغوط واشنطن المتزايدة بشأن ملف فصائل الحشد الشعبي، وهو الملف الذي بات يتجاوز بعده الأمني ليصبح نقطة اختبار حقيقية لمدى استقلال القرار العراقي عن التأثيرات الإقليمية، خصوصاً الإيرانية منها.

وقد حذّر معهد المجلس الأطلسي الأميركي في تقرير حديث من أن العلاقات بين واشنطن وبغداد تتجه نحو مزيد من التعقيد، مع ازدياد الضغط الأميركي لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، محذراً من أن المرحلة التي ستلي الانتخابات العراقية المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل هذه العلاقة، وربما هو الأكثر حساسية منذ عام 2014، تاريخ ظهور الحشد الشعبي كقوة مسلحة موازية للمؤسسات الرسمية.

وفي مؤشر على حدة الموقف الأميركي، جاءت مكالمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لتكشف عن تحوّل في الخطاب الدبلوماسي، إذ استخدم المسؤول الأميركي للمرة الأولى مصطلح "نزع السلاح" بشكل صريح، وهو توصيف يرى فيه مراقبون خروجاً عن لغة التحفظ المعتادة في التعامل مع بغداد.

لكن البيان العراقي حول المكالمة بدا أكثر تحفظاً، متجنباً ذكر الميليشيات بالاسم، ومشيراً في المقابل إلى رفض "الإجراءات الأحادية" التي تمس سيادة العراق، وهو ما فُهم على أنه رسالة مزدوجة تؤكد رغبة بغداد في الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران، وتجنب الانجرار إلى صدام مفتوح مع أي من الطرفين.

ويرى محللون أن هذا التباين في الخطاب يعكس هشاشة التوازن السياسي الداخلي في العراق، حيث يشكل الحشد الشعبي جزءاً لا يمكن تجاهله من البنية الأمنية والسياسية وحتى الاقتصادية للدولة، بينما تسعى واشنطن لتقليص نفوذه عبر سلسلة من العقوبات والتصنيفات الإرهابية التي طالت في الأشهر الأخيرة أربع فصائل رئيسية، أبرزها حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.

وفي المقابل، ترد بغداد بتصريحات تحذيرية من "التأثير السلبي لهذه الإجراءات على روح الشراكة"، مشيرة إلى أن الحوار المتبادل هو السبيل الأمثل لمعالجة الهواجس الأمنية الأميركية دون المساس بالسيادة العراقية.

لكنّ المعهد الأميركي يرى أن التحركات الأميركية ليست تكتيكية فحسب، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لاحتواء المحور الإيراني في المنطقة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وخصوصاً في ظل تصاعد الصراع الإقليمي.

يُجمع مراقبون على أن الانتخابات العراقية المقبلة ستكون بمثابة اختبار حقيقي للعلاقة بين البلدين، إذ قد تسعى واشنطن – بحسب تقرير المجلس الأطلسي – إلى دعم مرشح لرئاسة الحكومة لا يرتبط بفصائل الحشد، في محاولة لإعادة توجيه بوصلة التعاون الأمني والعسكري على أسس جديدة.

هذا الاحتمال يثير قلق القوى الشيعية المتحالفة مع الحشد الشعبي، والتي ترى في الخطوة محاولة أميركية لإعادة صياغة التوازن الداخلي بما يخدم أجندات خارجية. أما القوى السنية والكردية فتبدو أكثر ميلاً إلى الموقف الأميركي، معتبرة أن حصر السلاح بيد الدولة خطوة ضرورية لاستقرار البلاد.

البعد الاقتصادي للعقوبات

الضغوط الأميركية لم تتوقف عند الجانب الأمني، إذ توسعت لتشمل عقوبات مالية استهدفت شركات مرتبطة بالحشد الشعبي، من بينها شركة "المهندس العامة"، متهمةً إياها بتحويل أموال من عقود حكومية لصالح جماعات مسلحة موالية لإيران. هذه الإجراءات، وإن بدت محدودة من حيث الأثر المباشر، إلا أنها تُرسل إشارة سياسية واضحة عن استعداد واشنطن لاستخدام أدوات الاقتصاد في خدمة أهدافها الأمنية.

في المحصلة، يبدو أن العلاقات الأميركية – العراقية تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف المصالح والنفوذ، حيث تسعى بغداد للحفاظ على هامش مناورة يحميها من ضغوط واشنطن ومن تبعات الاصطفاف الإقليمي، في حين تراهن الولايات المتحدة على الانتخابات المقبلة لتصحيح مسار نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة.

لكنّ المجلس الأطلسي يخلص إلى أن المرونة السياسية ستكون الفيصل في المرحلة المقبلة: فإما أن تُظهر واشنطن استعداداً للتعامل الواقعي مع تعقيدات الداخل العراقي، أو أن يتواصل مسار الاضطراب في العلاقات الثنائية، بما يحوّل ملف الحشد الشعبي إلى عقبة استراتيجية تهدد واحدة من أكثر الشراكات حساسية في الشرق الأوسط.