الحقائق والقناعات في فيديو 'يوغا' بمصر

الساعون بشغف خلف التريندات ينظرون إلى مصالحهم الشخصية فقط ويتجاهلون ما يمكن أن تفضي إليه من مشكلات أمنية وأزمات مجتمعية.

القاهرة - تتعارض الحقائق مع القناعات حول قضية معينة في أوقات كثيرة. قد تتوارى الأولى أمام اليقين بأن الثانية على صواب. ومن دون التأكد قد يتصرف أي شخص من وازع مما توارثه وما رسخ في عقله ويلجأ إلى الاستستلام لكل ما يتسق معه.

مناسبة هذا الكلام، هو أن فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضة، وجد رواجا وتفاعلا ومشاهدات كبيرة، تسببت في انقسام حاد وسط الرأي العام. بين مؤيد ومعارض، وناقم ورافض، ومقبل ومدبر.

فحوى الفيديو الذي نشره طالب بإحدى الجامعات المصرية هو قيام عدد من السائحين الأجانب في مدينة دهب، القريبة من مدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء، بأداء رقصات عجيبة وحركات غريبة، تضمنت وضع الرمال على الأوجه، والنوم على الحجارة، والتأمل في البحر والشجر.

وتبين لاحقا أن ذلك نوع من أنواع اليوغا المستوحاة من أجواء الطبيعة الخلابة. بينما وصفها من نشر الفيديو على أنها ناجمة عن تعاطي بعض السائحين للمخدرات. ولم يمنح نفسه فرصة للمعرفة الحقيقية.

سارعت وزارة الداخلية في اصدار بيان أكد أن ما قام به السائحون أحد أنواع اليوغا الطبيعية في منطقة "اللايت هاوس" بمدينة دهب وقامت بإلقاء القبض على الطالب والتحقيق معه بتهمة البلبة في أوساط الرأي العام ونشر أخبار كاذبة.

انتهى الأمر شكليا عند هذا الحد، وستأخذ الشرطة إجراءاتها التي ينص عليها القانون في مثل هذه الحالات.

لكن لم ينته الأمر شعبيا، فلا يزال التفاعل مع الفديو مستمرا. وهناك من يتعاملون معه وفقا لقناعاتهم وخيالاتهم وعدم الثقة في ما جرى نشره من حقائق. وهي فجوة جعلت مواقع التواصل الاجتماعي تحظى باهتمام كبير، فالشائعات تسبق المعلومات والأكاذيب تسبق الوقائع الفعلية. وما جعل فيديو اليوغا الطبيعية يحقق انتشارا لافتا أن الحركات التي صاحبته بدت مثيرة للانتباه.

ما يدحض فرية المخدرات و"انحناءة الزومبي" أن الفيديو تضمن حركات راقصة منتظمة، مصحوبة بأداء مقصود، وخال من العشوائية أو البوهيمية التي يمكن أن تصاحب تصرفات "الزومبي" أو متعاطي المواد المخدرة.

وقفز من نشر الفيديو على الحقيقة عن عمد من أجل الحصول على مزيد من المشاهدات، ولا يعلم أن نشر هكذا فيديو يضر بالاقتصاد في مصر، ويرخي بظلال من عدم الثقة في واحدة من أهم المدن التي يقبل عليها سائحون من دول مختلفة.

تواجه مصر تحديات كبيرة بسبب ما ينشر على السوشيال ميديا بلا ضوابط وتقديرات دقيقة. وبدأت تتجه إلى سن قوانين جديدة وادخال تعديلات على أخرى، بما يتواءم مع مقتضيات الواقع، ويقلل من الجري وراء التريندات وتزييف المعلومات وتغييب وعي المجتمع، مع التركيز على فئئة الأطفال. الأمر الذي حذر منه الرئيس عبدالفتاح السيسي، وطالب بتقنين تعامل الأطفال مع الهاتف المحمول، وضبط قواعد التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي. وسيعقد اجتماع في القاهرة قريبا مع ممثلي شركات عالمية، مثل توك توك وفيسبوك ويوتيوب، للتفاهم على الإجراءات المناسبة.

لم تعد السوشيال ميديا وسيلة للترفيه، بل أداة تنطوي على استعمال مزدوج. إذ يمكن أن تكون للتسلية والمعرفة والثقافة والحصول على المعلومات، واستهداف المجتمع أيضا. وتتوقف الحالة على نوعية توظيف الشخص والجهة المنتجة للمحتوى الرقمي.

وكي تتناسب الرغبة مع الهدف من الواجب كبح جماح القناعات الزائفة وتوعيتها بأنها تضر بصاحبها. وحتى لو كان من يقفون خلفها لديهم دوافع سياسية أو دينية، فلن تفيدهم عملية نشر فيديوهات تسيء للدولة، بزعم أن نظامها يسمح بنشر الفجور ويقبل بتعاطي المخدرات جهارا نهارا ويستضيف سائحين تحكمهم غرائز فطرية نهمة.

عندما تكشفت حقيقية فيديو اليوغا، ووضعت النقاط أعلى الحروف ومعرفة هويته وغرضه والمقصود منه، هدأت العاصفة بعض الشيء، لكنها لم تنته بسبب عدم اليقين في الحكومة، وكل ما تقدمه من معلومات يحظى بشكوك، وهي آفة متجذرة، حيث أسهمت مواقع التواصل وما تحظى به من مساحة حرية كبيرة في زيادتها وتأصيلها، واستسهل كثيرون الاقبال عليها باعتبارها أداة ومقصلة للنيل من إجراءات حسنة تقوم بها الحكومة، وبث الشائعات حولها لمنع تمكينها من إنهاء ظاهرة القناعات المزيفة.

 ولا تتوقف المسألة في مصر على نشر فيديو على غير الحقيقة يثير بلبلة وسط الناس، بل في ما يحمله انتشاره من معاني، والإصرار على التجاوب معه من قبيل الملهاة والمأساة أيضا.

ومع مواصلة التفاعل معه، سلبا أو إيجابا، يتحول إلى أحد المسلمات والبدهيات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتفقد التحركات التي اتخذتها الجهات الرسمية أو يمكن أن تتخذها، مضمونها الرامي إلى تغيير القناعات القاتمة.

لم تعد سرعة الوصول إلى المعلومات عملية صعبة، لأن الرواج الحاصل على السوشيال ميديا فرض ضرورة اليقظة وعدم ترك الأمر لتحقيق المزيد من الانتشار، والإنحراف عن الهدف الذي تريد الحكومات الوصول إليه وهو الحفاظ على قيم المجتمع وعدم ترك عناصره نهبا لصاحب فيديو يسعى للشهرة والانتشار أو أي جهة تعمل على تغييب الناس لأبعد مدى والسيطرة على المفاصل الحيوية في المجتمع.

انتهاء تريند اليوغا الطبيعية أو استمراره لن يلغي إمكانية ظهور آخر حول قضية شبيهة أو بعيدة. فقد نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في جذب انتباه المجتمع، ووجد فيها كثيرون وسيلة لتحقيق أغراض مادية ومعنوية. والقاعدة الرئيسية أنه كلما زادت الإثارة والغموض والصدمة، حققت الفيديوهات رواجا كبيرا، وتضاعفت التحديات التي تواجهها حكومات، مطلوب منها تقديم الحقائق والمعلومات والبيانات اللازمة، ودحض الشائعات والأكاذيب وفرملة التكهنات، واتخاذ إجراءات ضرورية لحماية المجتمع من التشتت والتفتت والتشرذم. فالسباق العام على مواقع التواصل الاجتماعي ينال من صلابة الدولة إذا عجزت عن التصدي له ومواجهته بالطريقة الصحيحة.

ينظر الساعون بشغف خلف التريندات إلى مصالحهم الشخصية فقط، ويتجاهلون ما يمكن أن تفضي إليه من مشكلات أمنية وأزمات مجتمعية. ما يضع مسؤولية كبيرة على الحكومات الوطنية. وسوف تتعاظم المهمة إذا صمتت أي حكومة أو غضت الطرف عما يحدث من تطورات على مواقع التواصل، التي يمكن أن تصيب القوى الحية في المجتمع. والدرس المستفاد من فيديو اليوغا الطبيعية في مدينة دهب، أن ليس كل ما يلمع ذهبا. وليس كل ما يقدم وفقا لقناعات شخصية يتضمن الحقيقة المطلقة.