الحكم الذاتي المغربي: حل ناضج في زمن التحولات
في خضم التحولات المتسارعة التي تعرفها البيئة الدولية، يبرز في الأفق تغيّر لافت في الوتيرة والمنهجية التي تُدار بها الملفات الجيوسياسية المعقدة، وعلى رأسها النزاعات الإقليمية ذات الامتدادات الاستراتيجية. هذا التحول لا يقتصر على الشكل، بل يمس الجوهر: إعادة تموضع الفاعلين المؤثرين، عودة واضحة للقيادة الأميركية، وفتح نافذة دبلوماسية حقيقية قابلة للاستثمار، بعيدًا عن منطق التدبير الانتظاري أو الحلول المؤجلة.
في هذا السياق الدولي المتجدد، تأتي القضية الوطنية الأولى للمملكة المغربية في قلب هذا التحول، ليس فقط باعتبارها نزاعًا إقليميًا طويل الأمد، بل كنموذج يُعاد التفكير فيه وفق مقاربات واقعية وبراغماتية تتجاوز الشعارات الجامدة. فالتعامل الدولي مع هذا الملف يشهد اليوم انتقالًا تدريجيًا من منطق "إدارة النزاع" إلى منطق "تسوية النزاع"، وهو انتقال لا يمكن فصله عن المكانة المتنامية للمقترح المغربي للحكم الذاتي.
لقد أثبت مقترح الحكم الذاتي المغربي، منذ تقديمه، قدرته على الصمود أمام اختبار الزمن والتحولات الدولية. ومع توالي الأزمات العالمية وتعقّد التوازنات الإقليمية، بات هذا المقترح يُنظر إليه، بشكل متزايد، على أنه الحل الوحيد الجاد، الواقعي، وذي المصداقية، القادر على الجمع بين احترام السيادة الوطنية للمغرب وضمان تدبير ديمقراطي متقدم للخصوصيات المحلية لسكان الأقاليم الجنوبية.
اللافت اليوم أن هذا التصور لم يعد مجرد موقف مغربي تدافع عنه الدبلوماسية الرسمية، بل تحول إلى مرجعية دولية معترف بها، تحظى بدعم قوى كبرى وشركاء استراتيجيين، وتنسجم مع منطق الاستقرار الإقليمي ومقتضيات الأمن الجماعي. فالقيادة الأميركية، على سبيل المثال، لا تنظر إلى المقترح المغربي من زاوية سياسية ضيقة، بل من منظور استراتيجي أشمل، يربط بين تسوية النزاع، وتعزيز الأمن في شمال إفريقيا والساحل، وضمان شروط التنمية والاستثمار.
من هنا، تكتسي اللحظة الراهنة أهمية خاصة بالنسبة للرباط. فهي لحظة تلاقي بين نضج المشروع المغربي داخليًا، وتبلور قناعة دولية متزايدة بواقعيته وجدواه. كما أنها لحظة انتقال من الدفاع إلى المبادرة، ومن التوضيح إلى البناء على ما تحقق، عبر تثبيت الحكم الذاتي كإطار نهائي للتسوية، وليس كخيار من بين خيارات متعددة.
إن الرهان اليوم لم يعد في إثبات مصداقية المقترح المغربي، فقد حُسم ذلك إلى حد بعيد، بل في تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى دينامية سياسية ودبلوماسية متكاملة، تسرّع من منطق الحل وتُنهي حالة الجمود التي طال أمدها. وهو ما يفرض مقاربة شمولية، تجمع بين الفعل الدبلوماسي، والتنمية الميدانية، والانخراط المتواصل للساكنة المحلية، باعتبارها جوهر أي حل دائم ومستدام.
في المحصلة، لا يمكن قراءة التحولات الجارية إلا باعتبارها فرصة تاريخية أمام المغرب لتكريس رؤيته القائمة على الواقعية، السيادة، والتنمية المشتركة. فالعالم اليوم يبحث عن حلول قابلة للتنفيذ، لا عن نزاعات مؤجلة، وعن شركاء موثوقين، لا عن كيانات رمزية. وفي هذا المشهد، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي ليس فقط كحل لنزاع إقليمي، بل كنموذج سياسي متقدم لتدبير الاختلاف داخل إطار الدولة الوطنية.