حين تتقدّم الأخوّة على الكأس

قد يرفع المغرب الكأس، وقد تعود السنغال بها. هذه هي قواعد اللعبة. لكن الحقيقة الأعمق أن الرابح الأكيد هو تلك الأخوّة التي ستخرج من الملعب أكثر صلابة، وتلك القناعة بأن إفريقيا، حين تلتقي على الفرح، تكون أقرب إلى ذاتها.

ليست كل النهائيات مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف كرة. بعض المباريات تُلعب في الذاكرة قبل أن تُلعب في الملعب، وتُسجَّل في وجدان الشعوب قبل أن تُدوَّن في دفاتر الألقاب. هكذا يبدو نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال: مواجهة رياضية، نعم، لكنها قبل ذلك موعد رمزي بين تاريخين، وشعبين، ورؤيتين لإفريقيا واحدة ومتعددة في آن.

أن تلتقي الرباط ودكار في نهائي قاري ليس تفصيلا عابرا في روزنامة الرياضة الإفريقية، بل لحظة مشحونة بالدلالات. فالعلاقة بين البلدين ليست وليدة ظرف سياسي أو تقاطع مصالح عابر، بل هي ثمرة قرون من التفاعل الإنساني، والتواصل الروحي، والتكامل الاقتصادي، والتضامن السياسي. علاقة تشبه النهر الهادئ: لا يُحدث ضجيجا، لكنه لا يتوقف عن الجريان.

في هذا الإطار، يكتسب توصيف الخارجية السنغالية للنهائي بوصفه “احتفاء بالأخوة” معنى عميقا. إنه توصيف للحظة أكثر مما هو تصريح سياسي. فحين تمتزج الأعلام في المدرجات، وتتقاطع الأهازيج، وتتعانق الألوان في مشهد واحد، تتحول الكرة إلى لغة جامعة، لا تحتاج إلى ترجمة.

وإلى جانب هذا البعد الرمزي، سجّل المغرب انتصاره الكبير خارج رقعة الملعب. فقد ربح رهان التنظيم المحكم، ونجح في تقديم نسخة إفريقية بمواصفات عالمية. ملاعب حديثة بمعايير دولية، شبكات نقل سلسة، بنى تحتية متطورة، وخدمات لوجستية دقيقة جعلت من البطولة نموذجًا يُحتذى. لم تعد الصحافة العالمية تتحدث فقط عن أهداف جميلة أو مفاجآت كروية، بل عن بلد استطاع أن يحوّل حدثًا قاريا إلى واجهة حضارية، ويبرهن أن إفريقيا قادرة على التنظيم بنفس مستوى أكبر التظاهرات الدولية.

المغرب، وهو يحتضن البطولة، لم يقدّم فقط ملاعب حديثة وبنية تنظيمية متقدمة، بل قدّم رؤية أن الرياضة يمكن أن تكون دبلوماسية ناعمة، وجسرا للتقارب، وواجهة لإفريقيا واثقة من نفسها. والسنغال، بثقلها الكروي وروحها القتالية، جاءت لتؤكد أن المجد لا يُصنع بالحظ، بل بالتراكم، وبالانضباط، وبالإيمان بالمشروع.

لكن جوهر هذا النهائي لا يكمن فقط في هوية البطل، بل في الرسالة التي يمكن أن يبعثها. رسالة تقول إن إفريقيا قادرة على أن تفرح دون أن تنقسم، وأن تتنافس دون أن تتخاصم، وأن تنتصر دون أن تُقصي الآخر من الذاكرة. كرة القدم، هنا، ليست صراعا على الكأس فقط، بل تمرينا جماعيا على العيش المشترك.

حين تعتبر السنغال كرة القدم رافعة للتقارب بين الشعوب، فهي تلامس جوهر الرياضة. فالشعوب حين تهتف معا، تقلّ قابليتها للاصطدام. وحين تتقاسم لحظة نشوة، يصبح من الأسهل أن تتقاسم أيضا مشاريع المستقبل.

من هنا، تصبح الدعوة إلى الروح الرياضية ضرورة وطنية وقارية، لا مجرد شعار أخلاقي. لأن ما سيبقى من هذا النهائي، في ذاكرة العالم، لن يكون فقط عدد الأهداف، بل صورة الجماهير، ونبرة التعليق، وسلوك اللاعبين، وملامح الفرح أو الخيبة في العيون.

قد يرفع المغرب الكأس، وقد تعود السنغال بها. هذه هي قواعد اللعبة. لكن الحقيقة الأعمق أن الرابح الأكيد هو تلك الأخوّة التي ستخرج من الملعب أكثر صلابة، وتلك القناعة بأن إفريقيا، حين تلتقي على الفرح، تكون أقرب إلى ذاتها، وأجمل في نظر العالم.