الحلبوسي والبارزاني.. وكارثة المكون السني..!!

حتى بعض الأطراف السنية وأخرى من جهات الإطار وجدت في تلك المآزق التي أوقع الحلبوسي نفسه فيها فرصةً للانتقام منه.

العلاقات المتردية، بل والمتدهورة، بين رئيس حزب تقدّم السيد محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السيد مسعود البارزاني تترك تأثيرات بالغة الخطورة على مستقبل المكوّن السني، وتنزل به إلى منحدرات خطيرة لا يمكن التكهن بنتائجها الكارثية على مستقبل هذا المكوّن الذي يتعرض للتهميش ومحاولات النيل من مكانته والحط من قدر قادته ورموزه من أكثر من جهة سياسية وعلى أكثر من صعيد.

كنا منذ سنوات نوجّه النصائح للسيد محمد الحلبوسي عبر مقالات ننشرها في أكثر من موقع عربي وعراقي بأن الغطرسة والتعالي وعدم احترام رموز المكوّن السني وقادته منذ أعوام مضت، لها مخاطر كبيرة ليس على الحلبوسي نفسه فقط، بل على سمعة المكوّن السني ورموزه الذين حاول السيد الحلبوسي تجاوز مكانتهم وأقدارهم ونصب نفسه "زعيمًا" للمكوّن السني رغمًا عن إرادتهم، في وقت يعيش هذا المكوّن أصعب لحظات تاريخه انحطاطًا وتدهورًا، وفي وقت توجد زعامات سنية مختلفة كان لكل منها تاريخها ومكانتها، وكان عليه ألّا يتجاوزها بهذه الطريقة، برغم كل ما حصده من نتائج في الانتخابات السابقة، حتى عادت عليه وعلى المكوّن السني بكوارث ونكبات الواحدة تلو الأخرى.

 وها هو المكوّن السني يعيش حالة تناحر وتمزق وافتراق وشعور باليأس وانحدار المكانة، بعد أن راح الحلبوسي يطلق تصريحات نارية لا تتناسب مع عمره الزمني ولا مع حجمه السياسي، ويهدد ويتوعد الآخرين الذين وجدوا في "عربداته" ما يمكن أن يشكّل وسيلة للخلاص منه عندما تسنح الفرصة لهم لكي يزيحوه عن واجهة الأحداث.

وكانت حادثة عزله من رئاسة البرلمان العام الماضي أكبر نكسة سياسية واجهته في مسيرته السياسية، التي لو أحسن التعامل فيها مع أبناء محافظته ومع رموز المكوّن السني وحفظ أقدارهم وأوزانهم السياسية والمجتمعية، لبقي الحلبوسي في المقدمة يتصدر الصفوف بلا منازع.

وفي الجهة المقابلة، كان قادة الكرد ومنهم السيد مسعود البارزاني يتابعون باهتمام بالغ تصريحاتَ السيد محمد الحلبوسي عن العلاقة مع الكرد منذ تصدع التحالف الثلاثي بينهم وبين السيد الصدر، والتي يعدّها السيد البارزاني خطوة أحادية حاول من خلالها الحلبوسي التحالف مع قوى الإطار وإعطاء ظهره للسيد مقتدى الصدر وللسيد البارزاني الذي لم يستشره في المخرج المفضل للخلاص من الأزمة في وقتها بأقل الخسائر.

ولم يكتفِ السيد الحلبوسي بذلك، بل راح قبل سنتين تقريبًا يعارض تزويد الكرد بأنواع من الأسلحة للبيشمركة (سلاح مدفعية متوسط)، وهناك — كما يبدو — تصريحات له رآها الأكراد أنها بالضد من المادة 140.

ورأى الأكراد أنهم لم يسلموا من تهديدات الحلبوسي المباشرة أو غير المباشرة لهم، حتى توصّلوا إلى قناعة بأن التعامل معه أصبح ورقة مستهلكة، بل ومحترقة، ينبغي أن يؤخذ موقفٌ معادٍ لها ولتوجهاته.

فقد أوصل الحالةَ مع الكرد إلى أشبه بـ"القطيعة"، وهو ما ترك أخاديد من المواقف السلبية التصعيدية من الكرد مقابل ذلك، وراحوا يطلقون التصريحات عبر ممثليهم من خلال شاشات التلفزة بأن حلم الحلبوسي بالوصول إلى أي من رئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان أصبح من ذكريات الماضي، وحلمًا لم يعد بإمكانه تحقيقه لو جاء بأصوات ومقاعد مضاعفة لكل من الشيعة والكرد.

وهو ما أوقع السيد الحلبوسي في مأزق كبير لم يعد يعرف كيف السبيل إلى إيجاد مخرج لكل تلك الورطة التي انزلق إليها، حتى تمت محاربته بهذه الطريقة القاسية، التي أصبح يفقد فيها نفوذه السياسي برغم حجم الأصوات والمقاعد الكبيرة التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة التي جرت في 11/11/2025.

وهناك من يشير إلى أن بعض قوى الإطار هي من شجعت الحلبوسي على المطالبة بمنصب رئاسة الجمهورية، وهم قد وجدوا في أحلامه هذه فرصتهم لتفاقم الأزمة بينه وبين السيد البارزاني، حتى أوقعته تلك الجهات — التي تتصيد في المياه العكرة — في أزمة قطيعة مع قادة الكرد ومنهم السيد مسعود البارزاني.

حتى بعض الأطراف السنية وأخرى من جهات الإطار وجدت في تلك المآزق التي أوقع الحلبوسي نفسه فيها فرصةً للانتقام منه مرة أخرى عندما يحين توزيع الرئاسات الثلاث والمناصب السيادية الأخرى، التي لم يكن للحلبوسي مكانٌ بينها، كما يحاولون تأكيد ذلك في أكثر من مناسبة. والرجل يعيش — كما يبدو — حالة ارتباك وحسرة، بل ومأساة، ليس بمقدوره الخلاص من تبعاتها الكارثية، وهو يرى أن أحلامه بالزعامة تواجه عقبات وعراقيل أصبح تحقيقها أقرب إلى المستحيلات.

ولم يكن من خيار أمام السيد الحلبوسي سوى أن يقدم مرشحًا لإحدى الرئاسات الثلاث من حزب تقدم، وهو الذي يصرّ على أن يتولى رئاسة الجمهورية ليؤكد مبتغاه في أن يكون "الزعيم" للمكوّن السني، ويكون بمقدوره فرض إرادته على الآخرين. وهو لا يرغب في تولي رئاسة مجلس النواب مرة أخرى لأنه يجد فيها عنوانًا للفوضى والانقسام وعدم القبول به من جهات كثيرة راحت تناصبه العداء حتى من البيت السني، كي تحرمه من أية سلطات عليا يحلم بها، وبخاصة منصب رئاسة الجمهورية.

بل إنه حتى لو أُعطي منصب رئاسة الجمهورية للمكوّن السني — وهو أمر صعب التحقيق لتمسك الكرد به — فسوف يذهب إلى أحد الفائزين من المكوّن السني سواء من تقدم أو من الأحزاب الأخرى. والسيد الحلبوسي لن يقبل أن يعتلي المنصبَ رمزٌ آخر من المكوّن السني ليتولى منصبًا رفيعًا، إلا عندما يجد الطريق مسدودًا أمامه، فيضطر لترشيح أضعف شخصية سنية سواء لرئاسة البرلمان أو رئاسة الجمهورية كي لا تُسلّط عليه الأضواء، ويبقى هو "الزعيم" الذي يحكم من خلف حجاب.

كما أن حلم السيد سالم العيساوي برئاسة البرلمان في دورته الجديدة قد تبخر هو الآخر، كونه آخر مقاعد الأنبار من حيث الأهمية ووزنه السياسي، وربما لا يسهل عليه مهمة تسنم المنصب بديلًا عن جماعة الحلبوسي.

والوضع في كل الأحوال شائك ومعقّد، ومستقبل المكوّن السني في أصعب حالات التشرذم والانقسام والتناحر، وهو لا يجد من جماعة الإطار ولا من الكرد ذلك الاهتمام الذي يوازي مكانته. بل إن تصريحات من جماعة الإطار لا تتورع عن القول إن الإطار قد يأخذ الرئاستين: الوزراء والبرلمان، إذا لم يتفق المكوّن السني على مرشح لهذا المنصب، وهم لا يبالون كثيرًا بالمكوّن السني، ويتمنون في قرار أنفسهم لو تم عزله وإنهاء دوره السياسي والاعتباري إلى يوم الدين. وهم — أي جماعة الإطار — يشعرون بأنهم في غاية السعادة إن تم عزل المكوّن السني وإبعاده عن واجهة القيادة في العراق، كونهم الأغلبية الحاكمة التي تمارس دكتاتوريتها كما تشاء.

كل تلك المؤشرات لا تترك مجالًا يمكن أن يشكّل ضوءًا في نهاية النفق للمكوّن السني، الذي يشعر أنه الآن يتعرض لأبشع المؤامرات ومحاولات التنكيل به وبرموزه من أجل عزله عن دوره. وإذا ما حاولوا إعطاءه "عظمة" يسدون بها أفواه بعض المتعطشين لكرسي مكسور من ضعاف النفوس والطارئين على المكوّن السني ومن أصحاب السوابق، فهو أمر يمكن أن يقبلوا به حتى تمشي سفينتهم وحدهم، وهم من يقودونها إلى البحر المتلاطم الأمواج، الذي لا يدري العراقيون إلى أي شاطئ سترسو به، وهل تتعرض تلك السفينة للغرق ويغرق من فيها، مادام جماعة الإطار انفردوا بالحكم مع شركائهم الكرد، وليذهب المكوّن السني إلى الجحيم.