الحمداوي يرسم صورة متكاملة لماركيز: الكاتب والساحر والإنسان والسياسي

الناقد مصطفى الحمداوي لا يقدم دراسة أكاديمية جافة ولا سردًا تقليديًا لسيرة، بل رحلة قصيرة في مدرسة الواقعية السحرية التي تزخر بها إبداعات ماركيز.

يقدم الناقد مصطفى الحمداوي صورة شاملة عن الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، تجمع بين عرض سيرته كما كتبها الناقد الإنكليزي جيرالد مارتن، بما تحمله من مزيج الواقع والخيال، وتحليل مفهوم الواقعية السحرية في أعماله، وكيف يتماهى اليومي بالعجائبي، وإبراز شهاداته الشخصية عن الكتابة، التي تراوحت بين السحر والعجز المبدع، وانتهاءً بوضعه في سياق أوسع مع كتّاب أميركا اللاتينية الذين أسهموا في تأسيس هذا اللون الأدبي.

هذه الصورة وضعها الحمداوي في كتابه "غابرييل غارسيا ماركيز ـ في دائرة الواقعية السحرية" الصادر عن دار خطوط وظلال، مؤكداً أن الكتاب يهدف إلى "إبراز بعض ملامح مدرسة الواقعية السحرية، من خلال مجموعة مختارة ومتنوعة من أعمال غابرييل غارسيا ماركيز". وفي هذا الإطار، فإنه لا يقدم دراسة أكاديمية جافة ولا سردًا تقليديًا لسيرة، بل رحلة قصيرة كما يشير "عميقة، رحلة لا تضاهى تستمد عمقها مما سنلتقطه من دلالات في مدرسة الواقعية السحرية التي تزخر بها إبداعات ماركيز في حوارات أُجريت معه، وفي بعض رواياته ومقالاته، وفي سيرة معمقة أنجزها حوله الناقد الإنجليزي جيرالد مارتين".

رحلة "تهدف إلى أن تنقل للقارئ ومضات ممتعة تفيض بالجمال وسحر الواقع، كون الواقعية السحرية ليست مجرد تقنية أسلوبية، بل أسلوب أدبي يجمع بين الأسطورة والسحر والظواهر الخارقة للعادة". وهي، كما أكدت الأكاديمية الملكية السويدية عند منح ماركيز جائزة نوبل عام 1982، تقود القارئ "إلى المكان الغريب الذي تلتقي فيه الأسطورة بالواقع".

يرى الحمداوي أن هذا التلاقي بين الواقع والأسطورة ليس شيئًا طارئًا في أعمال ماركيز، بل هو جوهر تجربته الأدبية والإنسانية، لأنه ابن عالم لاتيني اختلط فيه التاريخ الشعبي بالموروث الأسطوري، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين ما هو عجائبي وما هو يومي. ولهذا حين يكتب ماركيز لا يكون بصدد إدخال الخيال على الواقع، بل الكشف عن أن الواقع ذاته يحمل بذور الأسطورة.

لا يكتفي الحمداوي بتحليل النصوص الأدبية، بل يتوقف عند السيرة الشخصية لماركيز كما كتبها جيرالد مارتن في عمل ضخم استغرق سبعة عشر عاماً. يصفها بأنها "ليست سيرة تقليدية لكاتب كبير كما قد يُتوقع، بل هي مرآة تعكس مزيجًا متنوعًا من الأفكار الاجتماعية والتاريخية والأدبية والسياسية". ويستشهد بمارتن الذي قال "حتى عندما تكون متأكداً من أن أي حكاية تستند إلى شيء ما حدث حقاً، فإنك لا تزال غير قادر على اختزاله إلى شكل واحد لأنك ستجد أن ماركيز ذكر معظم القصص بأنماط متعددة ومتباينة".

من هنا، فإن سيرة ماركيز نفسها تدخل في إطار الواقعية السحرية، إذ "تظل في الواقع من تأليفه هو، بخياله وبما يضيفه من القليل أو الكثير". وهذا ما يجعلها تتجاوز الحقيقة التاريخية، لأنها، كما يوضح الحمداوي، تنتمي إلى عالم الأسطورة: "فالأسطورة هي أكثر بكثير من الحقيقة ذاتها، وإذا كان من الممكن الالتفاف على الحقيقة أحياناً، والقضاء عليها في أحيان أخرى، فالأسطورة عكس ذلك تماماً، لأن الأسطورة تخلق نفسها بنفسها". وبهذا المعنى يصبح ماركيز ذاته أسطورة، ليس فقط بسبب رواياته الكبرى، بل لأن حياته وتجربته وذاكرته كلها خضعت لإعادة صياغة عبر خياله. المؤلف يشير إلى أن ماركيز وصف نفسه في إحدى المرات بقوله "إنني كاتب هيّاب، مهنتي الحقيقية هي مهنة ساحر".

كتاب 'غابرييل غارسيا ماركيز ـ في دائرة الواقعية السحرية'
تقديم صورة متكاملة لماركيز

هنا يظهر البعد الرمزي في تجربته "الكاتب ليس مجرد راوٍ للقصص، بل ساحر يخلق العوالم بالكلمات. لكنه في الوقت نفسه يعترف بارتباكه وقلقه من فعل الكتابة، إلى درجة أنه حين سُئل: كيف تُكتب الرواية؟ أجاب مازحًا وجادًا في آن "اللعنة، قل لي يا أخي، كيف يمكن كتابة رواية؟"، مؤكداً أن "ليست هناك وصفة جاهزة لكتابة رواية".

الحمداوي حرص على وضع ماركيز في سياق أوسع، مشيراً إلى أن الواقعية السحرية لم تكن من اختراعه وحده، بل سبقه ورافقه كتّاب آخرون مثل بورخيس وأستورياس وكورتاثار. ومع ذلك يميز ماركيز عنهم بقدرة فريدة على تطويع هذا التيار في قالب يعكس حياته اليومية، حيث "ما يميز ماركيز هو تطويعه البارع لمدرسة الواقعية السحرية في قالب متميز، فيه الكثير من شخصية ماركيز وأسلوبه في حياته اليومية. ومن هنا، يصبح القارئ أمام تجربة يصعب استنساخها، فماركيز يُعَدّ عالماً متفرّداً بذاته، عصياً على الاستنساخ، ومستعصياً على أي مقارنة قد تبدو فجة ومجحفة".

حين ينتقل المؤلف إلى تحليل روايات بعينها، يبدأ بـ"قصة موت معلن"، تلك الرواية التي يصفها بأنها "مأساة مخضبة بدماء شاب بريء". تدور أحداثها حول الأخوين فيكاريو اللذين قررا قتل سانتياغو نصّار انتقامًا لشرف أختهما. المؤلف يوضح أن الجميع في القرية كانوا يعرفون نية الأخوين، ومع ذلك لم يفعل أحد شيئًا ليمنع الجريمة. وهنا يقول "رغم أن الأخوين أبلغا الجميع بعزمهما قتل الشاب سانتياغو نصّار، ولم يكن إبلاغ عزمهما للجميع إلا لسبب وحيد، ليَحولوا بين اقترافهما الجريمة، لكن أحداً لم يفعل". هذه العبارة تكشف جوهر التراجيديا، حيث الكارثة متوقعة، معلن عنها، ومع ذلك تحدث لأن المجتمع بأسره يتركها تمضي إلى نهايتها.

ويضيف أن التراجيديا هنا لا تكمن في المفاجأة، بل في العجز الجماعي أمام القدر المعلن، حيث يفتتح ماركيز الرواية بمشهد حلمي "استيقظ سنتياغو نصّار في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، في اليوم الذي سيُقتل فيه... كان قد حلم بأنه يجتاز غابة من أشجار التين، وكان يهطل مطر ناعم، وأحس في المنام بالسعادة للحظة، لكنه ما أن استيقظ حتى أحس كما لو أنه ملوث بكامله بذراق العصافير". يرى الحمداوي أن هذه البداية "تفيض شاعرية حول أحلام رسمها ماركيز بدقة فنان ماهر، وأتقن تشكيل كلماتها التي تبدو لأول وهلة كما لو أنها لوحة عبقة بالألوان والأشكال التجريدية الأنيقة". يتحول الحلم إلى نبوءة، وإلى استعارة بصرية لدم الضحية القادمة. ويتابع أن "أجمل ما في الرواية هو ذلك التشويق الذي يستمر بتفاعل متصاعد مع أحداث القصة، رغم أن القارئ يعرف تقريبًا بالتحديد شكل النهاية". إنها براعة ماركيز في صناعة الإثارة من النهاية المعلومة، حيث كل تفصيل صغير يصبح علامة على الكارثة التي لا مفر منها، "تلك التنويعات المدهشة التي يبدعها على نحو نادر في صناعة متعة بأقل الكلام وأسهله، وأكثره سلاسة للوصول إلى ذهنية وذائقة المتلقي".

وعندما يتطرق الحمداوي إلى رواية "الحب في زمن الكوليرا"، فإنه يضعها في مصاف أعمال ماركيز الكبرى، إذ نالت شهرة واسعة، ويرى أنه "في هذه الرواية تتجلى الواقعية السحرية عبر الزمن ذاته، حيث يمتد الحب بين فلورنتينو أريثا وفيرمينا داثا لعقود طويلة، متحديًا الموت والمرض والخيبة". ويشير إلى أن ماركيز كان ينظر إلى الكتابة كوسيلة لإشاعة الحب بين الناس، إذ قال في أحد تصريحاته "إنه يريد أن يجعل الآخرين يحب أحدهم الآخر من خلال كتبه". ومن هنا تصبح الرواية تجسيدًا لفلسفة إنسانية، محاولة لإعطاء معنى للحياة عبر العاطفة.

يُبرز الحمداوي أن ماركيز استطاع في هذه الرواية أن يجسّد الزمن لا بوصفه عامل فناء، بل كاختبار لصمود الحب. وبذلك تختلف عن "مئة عام من العزلة" ذات الطابع الملحمي، لتقدم صورة حميمية أكثر، ولكن ضمن المنطق ذاته: حيث الغرائبي واليومي يتداخلان حتى لا يعود القارئ يميز بينهما.

ويوضح أن "خريف البطريرك" تقدم صورة أخرى من الواقعية السحرية، حيث يتجلى الديكتاتور كشخصية أسطورية تعيش قرونًا، وتظل عالقة بين الحياة والموت. ورغم أن الحمداوي لا يغوص في تفاصيل هذه الرواية كما فعل مع "قصة موت معلن"، فإنه يدرجها ضمن الثلاثية الشهيرة التي صنعت لماركيز مكانته. وهنا يبرز كيف أن الواقعية السحرية لم تقتصر عنده على الحب أو الجريمة، بل امتدت لتشمل السلطة أيضًا، حيث يتحول المستبد إلى كائن خارق، في استعارة تكشف طبيعة الاستبداد اللاتيني.

ومن جانب آخر، يعرض المؤلف الحكايات الشخصية التي عاشها ماركيز، مبينًا كيف انعكست على نصوصه. يذكر مثلاً كيف عاش الفقر المدقع، حتى إنه كان يبحث في القمامة عن بقايا طعام ليسد بها رمقه، وكيف اضطر في إحدى المرات إلى إرسال نصف مخطوطة "مئة عام من العزلة" فقط إلى ناشره لأنه لم يكن يملك ثمن البريد لإرسالها كاملة، حتى رهنت زوجته ميرثيدس ما تبقى لديها من ممتلكات لتكملة الرسالة. هذه الحكايات تضيف بعدًا إنسانيًا لتجربته: فالواقعية السحرية هنا لا تنفصل عن معاناة الحياة اليومية، بل تنبع منها.

ويشير الحمداوي أيضًا إلى مواقفه السياسية، مبينًا أنه "ظل طوال حياته رجلاً من رجالات اليسار التقدمي، ومدافعاً عن القضايا العادلة. ومع ذلك لم يكرس أدبه لأيديولوجيا ضيقة، بل ظل وفياً للإبداع، وفاؤه للإبداع فقط لا غير، وهذا الأمر هو الذي كفّل له النجاح العظيم والأسطوري". حتى صداقته مع فيدل كاسترو كانت جزءًا من هذه المواقف، لكنها لم تمس استقلاليته ككاتب، ولم تمنع رواياته من أن تتجاوز حدود السياسة نحو العالمية.

إن كتاب الحمداوي سعى إلى تقديم صورة متكاملة لماركيز: الكاتب، والساحر، والإنسان، والسياسي. صورة الرجل الذي كتب نصوصًا كبرى مثل "مئة عام من العزلة" و"قصة موت معلن" و"الحب في زمن الكوليرا"، وفي الوقت ذاته عاش حياة مليئة بالفقر والتناقضات. صورة الكاتب الذي لم يقدّم وصفة للكتابة، بل أصر أن كل رواية هي مغامرة فريدة، وأن الغاية منها أن تجعلنا نحب ونفهم العالم من جديد.

ويُلخّص الحمداوي جوهر تجربة ماركيز الإبداعية بعبارة حاسمة "ورغم غرابة ما نقرأ، فإننا نحس بانسجام هذه الغرائبيات، بل تعمّقه وتمنحه نكهته الفريدة، ولا نكاد نتوقف لنتساءل، هل ما نقرأه هو واقع معاش أم محض اختلاق؟". وهنا يكمن سر الواقعية السحرية كما مارسها ماركيز: إنها تذيب الحدود بين الواقع والخيال، بين الأسطورة واليومي، حتى نصبح جزءًا من عالم يتنفس فيه السحر والواقع معًا.