الحيونيميا… حين يتحول المواطن إلى ضحية دائمة لسياسة لا تتغير

الحيونيميا ليست قدرًا… بل نتيجة. وإذا فُهمت النتيجة، أصبح التغيير ممكنًا.

هناك أمراض تُكتشف بفحوص الدم، وأخرى تُقاس بدرجات الحرارة، لكن أخطرها لا يُرى في مختبرات الطب. إنه المرض الذي يصيب الشعوب حين تتآكل ثقتها بذاتها ودولتها، ويتحول اليأس إلى أسلوب حياة، ويعاد تشكيل الوعي العام على مقاس السلطة لا على مقاس الحقيقة. هذا المرض، الذي أسمّيه الحيونيميا، ليس حالة فردية بل ظاهرة اجتماعية وسياسية تمددت في العراق خلال العقدين الأخيرين حتى أصبحت جزءًا من النسيج اليومي للعراقيين. الحيونيميا هي انخفاض منسوب الوعي العام، وتراجع حسّ المواطنة، وانطفاء الشعور بالقيمة الفردية، وتحوّل الإنسان إلى كائن يتعايش مع ما يجب أن يرفضه، ويصمت عمّا يجب أن يصرخ عليه، ويمنح صوته لمن لم يمنحه شيئًا.

وليس ممكنًا فهم الحيونيميا من دون النظر إلى الامتداد التاريخي لما سبقها. فالعراقي قبل 2003 لم يكن مواطنًا كاملًا، بل وقودًا لحروب لا تنتهي، يُستدعى إلى الجبهة كلما قرر النظام أن يكتب فصلًا جديدًا من مغامراته. كان الجسد العراقي يُستهلك في الخنادق، والروح العراقية تُدفن في حروب عبثية لا يعرف لها الشعب معنى ولا نهاية. وبعد 2003، لم يتغير جوهر العلاقة، بل تغير شكلها فقط؛ فقد انتقلت البلاد من استخدام العراقي كبندقية إلى استخدامه كورقة اقتراع. قبل 2003 كان المواطن يُستنزف في ساحات المعارك، وبعد 2003 يُستنزف في صناديق الانتخابات. وفي كلتا الحالتين، خرج العراقي خاسرًا: مرةً خسر حياته، ومرةً خسر صوته، وبين الخسارتين ضاع الوطن.

منذ ذلك التحول السياسي الكبير، عاش العراق مرحلة أشبه بمختبر كبير لصناعة الحيونيميا. الأحزاب التي جاءت تحت عنوان “التغيير” اكتشفت سريعًا أن المواطن الواعي خطر، والمواطن المنهك فرصة. ومع الوقت، لم تعد علاقة الأحزاب بالمواطن علاقة تمثيل أو مسؤولية، بل علاقة استثمار انتخابي بحت: تحوّل المواطن إلى ورقة، والصوت إلى سلعة، والولاء إلى بضاعة، والانتخابات إلى موسم تُقطف فيه أصوات الناس كما تُقطف المحاصيل. الحيونيميا لم تنشأ عبثًا، هي نتاج بيئة صُممت بدقة حيث يُكافأ الفساد ويُقصى الإصلاح، ويُرفع القريب ويُهمّش الكفوء، وتُقدّم الطائفة على الوطن، ويصبح الولاء الحزبي أهم من القانون نفسه.

انعكست الحيونيميا على المجتمع العراقي بعمق غير مسبوق. الفرد الذي كان يثور لأجل كرامته أصبح ينهار بصمت أمام قوائم التعيين، والفساد المتغلغل، وفقدان العدالة، وسوء الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وكأن كل ذلك جزء طبيعي من الحياة. في الدول السليمة، يُعدّ الفساد فضيحة؛ في العراق جعلته الحيونيميا واقعًا مفهومًا، بل مقدَّرًا، وكأنه بند في "دستور غير مكتوب". صار العراقي يضحك على مآسيه لأنه لم يعد قادرًا على مواجهتها، ويبحث عن وطن بديل لأنه لم يعد يثق بإمكانية إصلاح وطنه.

ومع كل دورة انتخابية تتكرر المسرحية ذاتها: الوجوه ذاتها، الملصقات ذاتها، الوعود ذاتها، كأن الزمن تجمّد. الدعاية الانتخابية في العراق ليست حملة سياسية، بل عرض موسمي يكرّس اليأس بدل الأمل. شعارات مثل "الإصلاح خيارنا" و"معًا نبني الوطن" لم تعد تُقنع أحدًا، لأنها تحولت إلى خلفية ثابتة لأزمات واقعية لا تمسها تلك الشعارات بشيء. هذه الشعارات لم تعد رموزًا انتخابية؛ أصبحت رموزًا للخيبة، لأنها صنعت وعيًا سياسيًا مكسورًا، وعززت الحيونيميا كمرض اجتماعي يتغذى على تكرار الخيبة.

لكن أخطر ما صنعته الحيونيميا هو انهيار الثقة الجمعية. فبدل أن يشعر العراقي بأنه شريك في الدولة، أصبح يشعر بأنه متلقٍّ لقراراتها. وبدل أن يرى في الانتخابات فرصة لتغيير مصيره، بات يراها طقسًا موسميًا يُعاد بنسخة جديدة لإبقاء الوضع كما هو. حين ينهار الإيمان بالتغيير، ينهار العقد الاجتماعي كله. هذا الانهيار لا يحدث دفعة واحدة، بل بالتراكم: وعود تُقال ولا تُنفذ، إصلاحات تُعلَن ولا تتحقق، وفساد يترسخ في كل زاوية حتى يصبح أقوى من القانون نفسه.

ولا يمكن فصل الحيونيميا عن السياق الإقليمي والدولي. فالعراق جزء من شرق أوسط يعاد فيه رسم الخرائط، وتتنازع القوى الكبرى على النفوذ، وتختلط السياسة بالجغرافيا وبالطاقة. لكن المشكلة ليست في الخارج، بل في الداخل الذي لم يقرر بعد أن يكون دولة قوية. الدولة القوية تبدأ من مواطن قوي، والمواطن القوي لا ينشأ في بيئة حيونيمية، بل في بيئة تحمي وعيه وتضمن حقوقه.

ويبدو جليًا أن علاج الحيونيميا لا يأتي بقرار حكومي أو منحة خارجية، بل بثورة وعي يعيد فيها العراقي تعريف نفسه ودوره وقيمته. عندما يفهم العراقي أن صوته ليس ورقة بيد حزب، وأن مستقبله ليس تابعًا لزاوية لافتة انتخابية، وعندما يدرك أن الفساد ليس واقعًا بل جريمة، وأن كرامته السياسية ليست مجالًا للمساومة—عندها تبدأ رحلة الشفاء.

العراق اليوم وأمس لا يفتقر إلى الثروات ولا إلى العقول ولا إلى الفرص، بل يفتقر إلى وعي جمعي يرفض أن يُعامَل مرةً كجندي ومرةً كصوت. قيمة العراقي أكبر من كل ذلك.

والحيونيميا ليست قدرًا… بل نتيجة. وإذا فُهمت النتيجة، أصبح التغيير ممكنًا.