الدبلوماسية المصرية-القطرية في شراكة لتهدئة في غزة والسودان
القاهرة/الدوحة - في ظل تصاعد أزمات المنطقة وتشابك ملفاتها من غزة إلى السودان، تبرز الدبلوماسية المصرية–القطرية كشراكة هادئة تسعى لاحتواء النزاعات وإعادة بناء التوازنات الإقليمية عبر قنوات التنسيق السياسي والإنساني، فبينما يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي في القطاع الفلسطيني المحاصر والمدمر بأثمان بشرية ومادية باهظة، وتشتعل في السودان حرب داخلية تمزق نسيجه الاجتماعي، تتحرك القاهرة والدوحة بخطوات متوازنة لتثبيت الهدنة في الأولى، وانهاء حرب دموية في الثانية.
وقد بحث وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في اتصال هاتفي، تطورات الأوضاع في قطاع غزة، وسير اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، إلى جانب مستجدات الأزمة السودانية.
وأوضح البيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية أن الجانبين تناولا "تطورات المشاورات الجارية بشأن استمرار تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة"، في إشارة إلى تعقّد المسار السياسي الذي تقوده واشنطن ومحاولات العواصم العربية إعادة توجيهه نحو مقاربة أكثر توازناً.
وأكد الوزيران استمرار التنسيق الكامل والتشاور بين القاهرة والدوحة لدعم الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، رغم استمرار إسرائيل في خرق الهدنة المعلنة منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى الفلسطينيين، إضافة إلى تقييد دخول المساعدات الغذائية والطبية.
كما شدد الطرفان على رفض جميع أنشطة الاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة في الضفة الغربية، التي تقوّض فرص السلام وتزيد منسوب التوتر. واتفقا على ضرورة الربط بين الضفة وغزة لضمان وحدة الأراضي الفلسطينية وإدارة الفلسطينيين لشؤونهم ضمن إطار وطني موحد بعيد عن التجاذبات الإقليمية.
ورغم مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة، فإن المشهد الإنساني لا يزال كارثيا: أكثر من 69 ألف قتيل و170 ألف جريح، ودمار طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، فيما تُقدّر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار وهي أرقام تؤكد، بحسب مراقبين، أن الهدنة الحالية ليست سوى "استراحة مؤقتة" في حرب مفتوحة لا يزال المدنيون وقودها.
السودان بين مأساة مفتوحة ومخاوف التقسيم
وشكل الملف السوداني كذلك محوراً رئيسياً في الاتصال بين الوزيرين، حيث أكد عبدالعاطي تمسك مصر بوحدة السودان واستقراره ومؤسساته الوطنية، مدينا "الفظائع المروعة" التي شهدتها مدينة الفاشر في دارفور وداعيا إلى إطلاق مسار إنساني عاجل يضمن وصول المساعدات دون عوائق.
وشدد الوزير المصري على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لدعم وقف شامل لإطلاق النار، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة تُحقق تطلعات الشعب السوداني.
من جانبه، أبدى الجانب القطري دعماً لهذه الجهود، في ظل موقع الدوحة كوسيط مقبول لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية.
وتأتي هذه التحركات في وقتٍ تشهد فيه السودان وضعاً ميدانياً بالغ الخطورة، فـ"قوات الدعم السريع" تسيطر على معظم ولايات دارفور الخمس، بينما يحتفظ الجيش ببعض مناطق شمال الولاية وبالولايات الثلاث عشرة الأخرى، وبينها العاصمة الخرطوم. ومنذ اندلاع الحرب بين الطرفين في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف، فيما نزح نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة.
وتجسد الاتصالات المتكررة بين القاهرة والدوحة تحولاً في نمط العلاقات العربية–العربية من حالة التباين إلى محاولة بناء قنوات تنسيق فعّالة، في ظل فراغ واضح في النظام الدولي عن أداء دوره في حماية السلم الإقليمي.
وفي الوقت الذي يتراجع فيه تأثير المؤسسات الدولية، تتقدم مصر وقطر كمحور وساطة مزدوج يجمع بين الخبرة الميدانية المصرية على حدود غزة، والقدرة التفاوضية القطرية مع الأطراف الفاعلة في الملفين الفلسطيني والسوداني.
غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يظل رهناً بمدى استعداد القوى الدولية للتعامل مع الرؤية العربية كعنصر فاعل لا تابع، وبقدرة القاهرة والدوحة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى مبادرات ملموسة تخفف معاناة المدنيين في غزة وتمنع انهيار الدولة السودانية.
وبين هدنة مهددة في غزة وسودانٍ ينزف، تسعى الشراكة المصرية–القطرية إلى ترميم ما تبقى من النظام العربي، وتثبيت معادلة "التهدئة الممكنة" في منطقة لم تعرف منذ عقود سوى لغة الأزمات والانفجار.