الدور التركي في "قوة الاستقرار الدولية"

تركيا تعد قوة محورية في صراع المحاور في المنطقة، تستغل موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي على امتداد قارتي آسيا وأوروبا وتحكمها مضائق وممرات بحرية هامة، ودورها ومكانتها في حلف الناتو.

بناءً على دعوة أميركية، عُقد اجتماع في الدوحة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول الحالي لبحث "تشكيل قوة الاستقرار الدولية" في غزة. وتضمنت جلسات المناقشة هيكل القيادة وقواعد الاشتباك وقضايا أخرى، نقلها مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، حين أبلغ نتنياهو ومسؤولين آخرين بأن إدارة ترامب ستتولى قيادة "قوة الاستقرار الدولية" وستعين جنرالاً أميركياً قائداً لها. ويُعد الجنرال جاسبر جيفرز، الذي أشرف سابقاً على فريق مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان، من أبرز المرشحين.

أما "مجلس السلام" الخاص بإدارة قطاع غزة، الذي يقود المرحلة المقبلة، فسيرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً، ومن المتوقع أن يُعلن مطلع العام المقبل أسماء قادة العالم الذين سيشاركون في مجلس السلام هذا. وقال ترامب إن "الملوك والرؤساء ورؤساء الوزراء جميعهم يريدون أن يكونوا في مجلس السلام.. سيكون أحد أكثر المجالس أسطورية على الإطلاق، فالجميع يريد أن يكونوا أعضاء فيه".

وما بين "مجلس السلام" و"قوة الاستقرار الدولية" تتأرجح رغبة الدول في المشاركة بإحداهما أو كلاهما، ففيما الأولى تخص مشاركة القادة كأفراد ولا تعترضها مشكلات هامة، وأمر وقرار تشكيله محصور في شخص الرئيس الأميركي، تخص الثانية الدول وهي جزء من القرار الأممي 2803، ومحفوفة بالكثير من المشكلات والعقبات والتباينات.

بالنسبة إلى "تشكيل قوة الاستقرار الدولية" تم دعوة نحو 45 دولة للمشاركة في اجتماع الدوحة، امتنعت 15 دولة عن الحضور. تركيا لم تُدعَ إلى المؤتمر، رغم رغبتها في المشاركة، لوجود معارضة إسرائيلية قوية ترفض مشاركة أنقرة، التي فشلت جهودها وجهود الدوحة في تحفيز واشنطن للضغط على تل أبيب لإنهاء هذه المعارضة. ويبدو أن واشنطن لا تريد أن تضغط على إسرائيل في هذا الجانب، ولا أن تفرض عليها دولاً بعينها.

تشير التصريحات الأميركية المتفائلة إلى قرب تشكيل هذه القوة والانطلاق إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، حيث يعتبر تشكيلها خطوة مركزية في الانتقال إلى المرحلة الثانية من قرار مجلس الأمن 2803. ويتوقع مسؤولون أميركيون نشر هذه القوات مطلع العام المقبل، بعد بحث التفاصيل خلال عدد من الاجتماعات، بينها اجتماع الدوحة.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كانت وكالة "أسوشييتد برس" قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن "قوة الاستقرار الدولية" في غزة قد ترى النور، وتبدأ مهامها فعلياً في أوائل العام المقبل، "إذا ما توافرت الظروف السياسية والميدانية الملائمة".

إلا أن عقبات تقف دون ذلك، وسط تحفظات حول مهام الدول المشاركة في هذه القوة. فـ"قوة الاستقرار الدولية" لن تقاتل حركة حماس، بينما دول أبدت رغبتها في المساهمة فيها، ودول أخرى لها اشتراطات للانخراط في القوة متعددة الجنسيات.

والتحضيرات الأميركية لإنشاء القوة تعتمد ضغوطاً دبلوماسية تمارس على بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا، التي ترغب أن يقتصر دورها على التدريب فقط. ومن المحتمل أن تلحق بها دول أوروبية أخرى كاليونان.

وأكد دبلوماسيون غربيون أن هيكل القوة لا يزال غير واضح، وأن واشنطن تقيّم مدى استعداد الدول للمشاركة دون تحديد الأدوار بشكل نهائي، سواء قوات ميدانية أو تمويل أو تدريب، لكن بعضها يعبر عن قلق من خطر اشتباكات مباشرة مع مسلحين في غزة أو مع القوات الإسرائيلية، فيما لم تُحدد بعد قواعد الاشتباك، ومواقع الانتشار والتدريب.

دول عديدة غير مستعدة للانضمام إلى القوة قبل تنفيذ بند نزع سلاح حركة حماس. وقد أبدت إندونيسيا استعدادها لإرسال جنود إلى غزة، بشرط أن تبقى القوة متعددة الجنسيات متمركزة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرقي الخط الأصفر، وألا تحتك بحركة حماس.

ومن المقرر عقد اجتماعات أخرى حتى مطلع السنة الجديدة، وأهمها اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب في فلوريدا في 29 كانون الأول/ديسمبر الجاري. وقد وُصف اللقاء بأنه بالغ الحساسية لكسر الجمود في عملية المفاوضات، ويعكس، بحسب مصادر دبلوماسية، نفاد صبر الرئيس ترامب إزاء تعثر الانتقال إلى المرحلة التالية من خطته لقطاع غزة، ومن المحتمل، حسب وسائل مطلعة، أن يقع صدام بين نتنياهو وترامب.

تراجعت دول عن رغبتها المشاركة في القوة الدولية، منها أذربيجان، التي تقيم علاقات جيدة مع كل من تركيا وإسرائيل، رغم أنها سبق وأن أبدت استعدادها للانضمام إلى هذه الخطوة. هذا القرار يعكس رغبة باكو في تفادي الإضرار بعلاقاتها الإقليمية المتوازنة مع أنقرة وتل أبيب.

وما كان من أذربيجان إلا أن تجاهلت الدعوة إلى اجتماع الدوحة، وهو ما يشير إلى متانة علاقتها وتحالفها مع تركيا. وتراجعت متذرعة بالخوف من تعريض حياة جنودها للخطر في غزة، إلا أن بعض الأطراف يشير إلى أن ذلك يرجع إلى ضغوط تركية مورست على أذربيجان.

تركيا قوة محورية في صراع المحاور في المنطقة، تستغل موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي على امتداد قارتي آسيا وأوروبا، وتحكمها مضائق وممرات بحرية هامة، ودورها ومكانتها في حلف الناتو. وتلعب أدواراً في الوساطة والتدخل في النزاعات المحتدمة في المنطقة من السودان إلى سوريا، وليبيا، وفي الصراع الأرمني الأذري، وتطمح لقيادة مرحلة ما بعد الحرب على غزة، مستفيدة من تحالفها مع قطر، واستضافتها بعض قيادات حركة حماس، والتنسيق الأمني والسياسي مع سوريا، لتصبح فاعلاً رئيسياً في المنطقة ومصدراً للتوازنات والصراعات والنفوذ، إذ تشكل تحدياً ومنافساً لمحاور إقليمية، ولاسيما للمحور الذي تسعى إسرائيل إلى تزعمه تحت مسمى اتفاقيات أبراهام.

الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتغافل عن هذا الدور، لذا تبرز إحدى نقاط الخلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة حول الدور التركي في "قوة الاستقرار الدولية". قال المبعوث الأميركي توم براك إن الولايات المتحدة لا تزال ترى دوراً للجيش التركي على الأرض في غزة، وأن تركيا يجب أن تكون جزءاً من قوة الاستقرار، بفضل قدراتها العسكرية ونفوذها في غزة.

وفي الوقت الذي تبدو فيه تركيا راغبة في إرسال قواتها إلى غزة، تعتبر إسرائيل ذلك خطاً أحمر، يرفضه نتنياهو بشدة بذريعة أن تركيا وقطر تحتضنان قيادات من حركة حماس، فيما تبدي إسرائيل استعداداً لقبول قوات من دول بعيدة عن مسرح صراع المحاور، خوفاً من أن تدخل القوة الدولية في حسابات المحاور التي لا تراعي الأهداف الإسرائيلية من إنشائها.

زار السفير الأميركي توم براك أنقرة يوم الاثنين 16 ديسمبر/كانون الأول، والتقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أكد أن بلاده مستعدة لإرسال قوات بهدف التوصل إلى سلام في المنطقة، مضيفاً أن هناك خطوات لازمة للانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأن تطبيق بعض البنود يقع على عاتق واشنطن والرئيس دونالد ترامب.

 وقال فيدان "ننتظر حالياً تنفيذ بعض الأمور، وخصوصاً تشكيل مجلس السلام وتسليم إدارة القطاع للفلسطينيين وتأسيس جهاز للشرطة"، مؤكداً أن قوات فلسطينية ستتولى إحلال الأمن بغزة في مرحلة ما.

وفي تصريحات لصحيفة 'جيروزاليم بوست' الإسرائيلية، قال براك إن القوات البرية التركية كبيرة ومتمرسة، واتصالها مع مختلف الأطراف يمكن أن يسهم في تهدئة الأوضاع في غزة. وكان براك قد صرح في 5 ديسمبر/كانون الأول الجاري بأن واشنطن ترغب في مشاركة أنقرة في قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها لقطاع غزة. ويرى المبعوث الأميركي أنه في حال انضمام تركيا، فإن بإمكانها النجاح في نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية حماس سلمياً، نظراً لعلاقاتها مع الحركة، بحسب رأيه، لكنه مع ذلك يقول إنه لا يعتقد أن إسرائيل ستوافق على مشاركة تركيا.

مبعوث أميركي آخر، هو ستيف ويتكوف، التقى الجمعة 19/12 في ميامي بولاية فلوريدا بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى جانب وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني.

ويهدف الاجتماع في ميامي إلى بحث المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة، ودور تركيا في ترتيبات هذه المرحلة، واعتراض تل أبيب على جنسية القوات المشاركة، وتدخلها في شكل التفويض، وفرض شروطها على مهام قوة الاستقرار، وضرورة التنسيق مع الجيش الإسرائيلي بما يضمن المصالح الأمنية الإسرائيلية، بدلاً من أن تكون قوة الاستقرار الدولية محايدة تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار، وتسهم في عودة الحياة الطبيعية إلى القطاع المدمر.