الرؤساء الثلاثة في العراق يضغطون للإسراع بتشكيل الحكومة

الضغوط تأتي في ظل صعوبة المفاوضات داخل الإطار التنسيقي وفي خضم التحديات الداخلية والإقليمية غير المسبوقة التي تواجه العراق والتي تحتاج حكومة قوية ومتضامنة.

بغداد - دعا الرئيس العراقي عبداللطيف رشيد ورئيسا الوزراء محمد شياع السوداني والنواب محمود المشهداني، السبت، القوى الوطنية إلى شراكة حقيقية للإسراع بتشكيل الحكومة فيما لا تزال المحاصصة تحكم مفاوضات الإطار التنسيقي.
جاء ذلك خلال تأبين أقامه "تيار الحكمة الوطني" في العاصمة بغداد، بمناسبة ذكرى اغتيال المرجع الشيعي محمد باقر الحكيم، إثر تفجير بمدينة النجف وسط العراق عام 2003، راح ضحيته نحو 83 شخصا.
ويظهر ان الرئاسات الثلاث تضغط بكل قوة في هذا الجانب خاصة في ظل التحديات الداخلية والإقليمية غير المسبوقة التي تواجه العراق والتي تحتاج حكومة قوية ومتضامنة.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن رشيد دعوته، إلى "تشكيل حكومة تمثل العراقيين بجميع أطيافهم، وترتقي ببناء الدولة العراقية" مضيفا "العراق تجاوز المراحل الصعبة بعد سنوات من العنف والإرهاب وقبلها فترة الاستبداد، ووصل إلى حالة الأمن والاستقرار، وينبغي على الجميع العمل على إدامتها".
بدوره، دعا السوداني في كلمة له خلال التأبين "القوى الوطنية إلى المضي في حسم الاستحقاقات الدستورية"، وفق الوكالة مشيرا إلى "ضرورة إعلاء المصلحة الوطنية العليا عبر شراكة حقيقية بين القوى السياسية، وتغليب مصلحة الشعب العراقي بتمثيل أصواتهم وتحقيق تطلعاتهم".

وفي كلمة له خلال التأبين أكد المشهداني "ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة واحترام المدد الدستورية"، مضيفا أن "استشهاد السيد الحكيم يمثل محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث"، مشيرا الى أنه "كان رمزا وطنيا ومشروع دولة، ناضل من أجل شعبه في أحلك الظروف، وأسهم في بناء دولة دستورية".
وتتعامل قوى الإطار التنسيقي، التي تضم الفاعلين الشيعة المنخرطين في المشهد السياسي، مع مسار التفاوض الحكومي من زاوية مقلوبة؛ إذ تبدأ من أكثر الملفات تشابكًا وتعقيدًا، متجاوزة الخطوات الدستورية التي يُفترض أن تشكل المدخل الطبيعي لمعالجة الانسداد السياسي. فبدل الانشغال أولًا بحسم رئاسة مجلس النواب وتكليف رئيس للوزراء، يتجه النقاش مبكرًا نحو شكل الحكومة المقبلة وتقسيم حقائبها، وكأن نتائج الاقتراع لم تعد سوى عنصر ثانوي في معادلة النفوذ وتقاسم المواقع.
وتكشف الأحاديث الدائرة داخل الإطار عن تفاهمات أولية تمنح مكوناته حصة تتراوح بين اثنتي عشرة وأربع عشرة وزارة في التشكيلة المنتظرة، على أن يُراعى في توزيعها ما يسمى بالثقل الانتخابي لكل طرف. ويجري هذا التفاوض المتقدم في وقت لم تتضح فيه بعد هوية رئيس الحكومة المقبلة، ولم تُستكمل إجراءات اختيار رئاسة البرلمان، ما يعكس ارتباكًا واضحًا في سلم الأولويات، ويؤكد استمرار هيمنة منطق المحاصصة بوصفه المحرك الفعلي للعملية السياسية.
ولا يقتصر الصراع داخل الإطار على السلطة التنفيذية، بل يمتد بقوة إلى المؤسسة التشريعية، حيث تحوّل منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، المفترض أن يكون جزءًا من توازنات البرلمان، إلى أداة مساومة أساسية، ولا سيما كتعويض محتمل لبعض القوى في حال إخفاقها في انتزاع رئاسة الحكومة.
وفي هذا السياق، تبرز قوى مثل منظمة بدر وكتلة صادقون، إلى جانب ائتلاف دولة القانون، كلاعبين محوريين في سباق ثلاثي محتدم. ويظهر ائتلاف دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، أكثر وضوحًا في طرحه، إذ يلمّح إلى التمسك بمنصب النائب الأول لرئيس البرلمان إذا لم تؤول رئاسة الحكومة إليه، في مسعى للحفاظ على موقع متقدم داخل بنية السلطة وضمان استمرار التأثير السياسي حتى من دون الإمساك بالمنصب التنفيذي الأعلى.
هذا المشهد يكشف أن الإطار التنسيقي يتعامل مع الاستحقاقات الدستورية كحزمة واحدة غير قابلة للتجزئة، حيث تُربط رئاسة الحكومة برئاسة البرلمان وبالحقائب الوزارية المؤثرة، ضمن مقايضة سياسية شاملة تُرحَّل فيها الخطوات الدستورية إلى ما بعد إنجاز التفاهمات المسبقة حول تقاسم السلطة.
أما ملف رئاسة الوزراء، فيبقى العقدة الأكثر حساسية داخل الإطار. فعلى الرغم من تعدد الأسماء المتداولة في الإعلام، تشير الوقائع إلى أن المنافسة الفعلية محصورة بين شخصيتين لا ثالث لهما: محمد شياع السوداني، ممثل ائتلاف الإعمار والتنمية، ونوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون. وما عدا هذين الاسمين لا يبدو أنه يتجاوز كونه أوراق ضغط تُستخدم للمناورة أو لتحسين شروط التفاوض.
ويعزز هذا التقدير ما يطرحه قادة ائتلاف الإعمار والتنمية من أن فرص السوداني في تجديد ولايته لا تزال قائمة، مستندين إلى دعم أطراف سياسية ترى فيه خيارًا أقل تصادمًا، وأكثر قدرة على إدارة توازنات الداخل والخارج في مرحلة تتسم بحساسية اقتصادية وسياسية عالية.
في المقابل، لا يُخفي المالكي طموحه في العودة إلى رئاسة الحكومة، معتمدًا على ثقله داخل الإطار وخبرته الطويلة في إدارة السلطة، رغم إدراكه أن هذا الطموح يواجه تحفظات داخلية وإقليمية قد تعيق تحققه.
وبين هذه الحسابات المتشابكة، دعا الإطار التنسيقي إلى التعجيل بعقد جلسة البرلمان وانتخاب هيئة رئاسته، في محاولة لإظهار الالتزام بالإطار الدستوري. غير أن هذه الدعوة تبدو حتى الآن أقرب إلى إجراء شكلي، ما دامت الخلافات الجوهرية حول توزيع السلطة لم تُحسم فعليًا.
ويأتي ذلك بالتزامن مع بدء العدّ التنازلي للمدد الدستورية، عقب مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات، وتحديد رئيس الجمهورية موعد الجلسة الأولى للبرلمان. إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن الالتزام الظاهري بالمواعيد لا يعني بالضرورة احترام روحها، خاصة حين تُدار العملية السياسية خلف الأبواب المغلقة بمنطق الصفقات لا البرامج.
وفي المحصلة، يبدو أن الإطار التنسيقي يعيد إنتاج نمط مألوف في إدارة الأزمات: تأجيل الاستحقاقات الدستورية الأساسية، والانشغال مبكرًا بتوزيع الحصص والمواقع قبل تثبيت العناوين الكبرى. وبينما يُفترض أن يشكل انتخاب رئيس البرلمان وتكليف رئيس الحكومة بداية تفكيك الأزمة، يتحولان إلى نتيجة مؤجلة لمفاوضات معقدة، ما يفتح المجال أمام مزيد من التعطيل ويضع البلاد مجددًا أمام اختبار الزمن وإمكانية إنتاج سلطة مستقرة.
وفي 14 ديسمبر/كانون الأول الجاري، صدقت المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات البرلمانية العامة التي أجريت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما أكسب النتائج الشرعية الدستورية اللازمة لعقد أولى جلسات البرلمان في دورته السادسة.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 56.11 بالمئة، وأعضاء مجلس النواب (329) هم المسؤولون عن انتخاب رئيس الجمهورية ومنح الثقة للحكومة.
وجرت العادة أن يكون رئيس الوزراء شيعيا، ورئيس الجمهورية كرديا، ورئيس مجلس النواب سنيا، وفقا لنظام محاصصة بين القوى السياسية النافذة في البلاد.