الزلازل الجيوسياسية وانهيار مفهوم الدولة

عندما تنهار الدولة، لا يستطيع الفرد العيش في فراغ أمني.. تلجأ المجتمعات فوراً إلى الخزان العقائدي أو العرقي أو القبلي المتاح لحماية أنفسها.

'الزلازل' الجيوسياسية التي ضربت المنطقة ولا تزال (من حروب خارجية وصراعات داخلية، إلى أزمات اقتصادية طاحنة، وصولاً إلى تهديدات وجودية مثل الأمن والطاقة والمناخ)، أدت إلى غياب مفهوم الدولة الموحدة عن كثير من دول المنطقة.

تؤكد الشواهد التاريخية للدول ذات السيادة والمؤسسات الراسخة أن الانهيار الداخلي عندما يتزامن مع تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية (كما في الحالة اليوغوسلافية، وما يحدث في بعض دول الشرق الأوسط حالياً) يجعل من شبه المستحيل عودة الدولة إلى صيغتها السياسية السابقة.

بالفعل نحن أمام مجموعة من الدول (سوريا، لبنان، السودان، ليبيا، الصومال، اليمن) تواجه تحديات تجعل عودتها إلى صيغة الدولة المركزية الموحدة القديمة أمراً في غاية الصعوبة، ويقترب في بعض الحالات من المستحيل.

هذه الدول لا تعيش في فراغ جغرافي، بل تقع في قلب صراعات القوى الإقليمية والدولية الكبرى، فغياب التوافق بين هذه القوى الخارجية يعني استمرار تدفق السلاح والمال والدعم للميليشيات والأطراف المحلية، مما يمنع أي طرف من تحقيق حسم عسكري كامل أو فرض سيادة مطلقة. وتحولت هذه الدول إلى ساحات “حروب بالوكالة”، والقرار النهائي فيها لم يعد محلياً بنسبة مئة في المئة.

الانهيار الممتد لسنوات في هذه الدول أدى إلى بروز الهويات الطائفية، والقبلية، والعرقية، والمناطقية كبديل لحماية الأفراد، فعندما تترسخ هذه الهويات وتصبح هي محرك العمل السياسي والعسكري، يصبح الصعود مجدداً إلى هوية وطنية جامعة أمراً شديد التعقيد، لأن الثقة بين المكونات المجتمعية تكون قد تعرضت للتآكل.

على هامش الانهيار، تنشأ شبكات نفوذ واقتصاد موازٍ (تهريب، تجارة سلاح، سيطرة على موارد النفط أو الموانئ أو الحدود). أمراء الحرب والميليشيات المستفيدة من غياب الدولة يصبح لديهم مصلحة اقتصادية مباشرة في استمرار الوضع الراهن، ويمتلكون القوة العسكرية لإجهاض أي محاولة لإعادة بناء مؤسسات محاسبة مركزية.

إذا نظرنا إلى السيناريوهات البديلة التي يرسمها التاريخ والواقع الحالي لهذه الدول، نجد ثلاث مسارات محتملة للاستقرار خارج إطار الدولة المركزية القديمة:

التقسيم الفعلي غير المعلن، والاستقرار هنا يحدث عبر بقاء الدولة موحدة "اسمياً" وعلى الخرائط الدولية فقط، بينما هي في الواقع مقسمة إلى مناطق نفوذ وسيطرة واضحة تحكمها قوى مختلفة تمتلك جيوشها وإدارتها الخاصة، وهو الوضع القائم في حالات مثل سوريا وليبيا واليمن حالياً.

الفيدرالية أو الكونفدرالية الهشة، والاعتراف الدستوري بالتعددية ومنح الأقاليم حكماً ذاتياً واسعاً جداً، بحيث تكون الحكومة المركزية ضعيفة ومجرد غطاء خارجي. هذا النموذج يواجه دائماً خطر الشلل السياسي الدائم والنزاع المستمر على الثروات والصلاحيات، كما يُلاحظ في تجربة العراق بعد 2003، وفى المقابل صيغة المحاصصة في لبنان.

التفكك الكامل والاعتراف الدولي، وهو الوصول إلى قناعة دولية وإقليمية باستحالة التعايش، مما يؤدي في النهاية إلى نشوء دول جديدة منفصلة تماماً ومعترف بها دولياً، مثلما حدث في السودان سابقاً مع انفصال الجنوب، ومثلما تطالب به بعض القوى في جنوب اليمن أو الصومال. وقد يبدي النظام الدولي ممانعة شديدة في منح "الاعتراف الدولي" لأي كيانات جديدة، لكن هذا الموقف في الغالب مرتبط بتوازنات ورغبات إقليمية يتم ضبطها تبعاً لتوافق المصالح والغايات.

عندما تنهار الدولة، لا يستطيع الفرد العيش في فراغ أمني. تلجأ المجتمعات فوراً إلى الخزان العقائدي أو العرقي أو القبلي المتاح لحماية أنفسها. هذا اللجوء يحول الهويات الفرعية إلى كيانات سياسية مسلحة تمتلك شرعية محلية أقوى من شرعية "العاصمة الفعلية".

فالحروب الداخلية والانتهاكات المتبادلة تبني جداراً سميكاً من عدم الثقة بين المكونات. في هذه البيئة، يرى كل مكون أن خضوعه مجدداً لحكومة مركزية تقودها أغلبية من مكون آخر هو تهديد وجودي مباشر له، وبالتالي يصبح التمسك بالانفصال أو الحكم الذاتي مسألة بقاء.

والقوى الإقليمية والدولية ربما تجد أن التعامل مع "كيانات عرقية أو طائفية دون الدولة" أسهل بكثير لتحقيق مصالحها وضمان نفوذها مقارنة بالتعامل مع دولة مركزية قوية ومستقلة بقرارها.

وحتى محاولات الخروج من الانهيار إلى أنماط جديدة تواجه تحديات هيكلية في دول مثل سوريا، وليبيا، واليمن، أو السودان، فالنماذج الفيدرالية الناجحة تحتاج إلى احتكار للسلاح، وقضاء مستقل، وتوافق على سيادة القانون، وآليات دستورية لفض النزاعات بين المركز والأقاليم حول الثروات والحدود. في غياب هذه الشروط والمؤسسات، يتحول النموذج الفيدرالي إلى “محاصصة طائفية” وشلل سياسي مستمر.

عقبة أخرى تواجه هذه الدول، وهي تركز ثرواتها (النفط، والغاز، والموانئ) في أقاليم جغرافية محددة (مثل شرق ليبيا، وجنوب اليمن، وشرق سوريا، أو البصرة في العراق). وغياب العدالة أو الاتفاق على صيغة شفافة لتوزيع العائدات يحول الفيدرالية فوراً إلى نقطة نزاع اقتصادي وجودي.

كان من المفترض أن تكون الزلازل الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة كافية لإقناع النخب بأن السيادة الفردية في ظل نظام إقليمي منهار هي سيادة وهمية، لكن يبدو أن حجم المعاناة لا يولد بالضرورة حكمة سياسية.

عودة بعض البلدان إلى صيغتها السابقة قد تبدو شبه مستحيلة في ظل المعطيات الحالية. والمستقبل الذي يفرضه ميزان القوى يتجه نحو كيانات سياسية جديدة، أو صيغ حكم مركبة ولامركزية، تُبنى على توازنات إقليمية وتفاهمات دولية فعلية على الأرض ومصالح خارجية يُعاد رسم حدودها طبقاً لعالم يُعاد تشكيله، وليس على الإرث التاريخي للدولة القديمة.