السعودية تقطع الطريق على اشاعات تستهدف الاساءة للعلاقات مع الامارات
الرياض – نفى وزير الإعلام السعودي سلمان بن يوسف الدوسري، بشكل قاطع صحة مزاعم تم تداولها عبر بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي تدعي أن المملكة رفضت استقبال الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقال في تغريدة على حسابه الرسمي بنصة اكس تجاوز عدد متابعيها الخمسة ملايين في وقت قصير، إن "ما يُتداول حول رفض المملكة استقبال سمو الشيخ طحنون بن زايد غير صحيح، فسموه يأتي إلى المملكة متى شاء من دون استئذان، فهي بيته وقيادتها أهله."
ووصف تلك الأنباء بأنها "عارية تماماً عن الصحة". ولم يكتف بالنفي المجرد، بل قدّم توصيفا سياسيا وإنسانيا عميق الدلالة لطبيعة العلاقة التي تربط الشيخ طحنون بن زايد بالمملكة، حين قال إن "الشيخ طحنون يأتي إلى المملكة متى شاء من دون استئذان، فهي بيته وقيادتها أهله”، في رسالة واضحة تتجاوز لغة البروتوكول الدبلوماسي إلى فضاء الأخوّة والثقة المتبادلة.
وجاء النفي السعودي الحاسم لتلك الشائعات، ليضع حدا سريعا لمحاولة جديدة لزج العلاقات السعودية-الإماراتية في دائرة التشكيك والتأويل، في توقيت إقليمي حساس يتسم بتشابك الملفات الأمنية والسياسية، ولا سيما في ظل التطورات الأخيرة في شرق اليمن.
وتكشف تصريحات وتغريدة الوزير الدوسري عن إدراك سعودي مبكر لخطورة الشائعات الموجّهة، خاصة تلك التي تسعى إلى استثمار أي تطور ميداني أو سياسي – كما هو الحال في شرق اليمن – لإيهام الرأي العام بوجود تباينات أو توترات بين الرياض وأبوظبي، فالموقف السعودي لم يكن دفاعيا أو انفعاليا، بل جاء هادئا، واثقا، وحاسما، بما يعكس حرص المملكة على قطع الطريق على محاولات الاصطياد في الماء العكر.
ووجود اختلافات في وجهات النظر بين البلدين حول ملفات إقليمية أو دولية يبدو أمرا طبيعيا لا يعكس بالضرورة وجود خلافات عميقة كما تصورها بعض المنصات الإعلامية أو حسابات على منصات التواصل الاجتماعي تبحث عن الاثارة واستقطاب أكبر عدد من المتابعين وأخرى تدفع للإيهام بوجود أزمة وتعمل على استثمار الاختلافات وتصويرها على أنها أزمة عميقة لأغراض سياسية.
وتندرج هذه الشائعات ضمن نمط متكرر من الحملات الإعلامية المضللة التي تستهدف العلاقات السعودية-الإماراتية تحديداً، لكونها تمثل أحد أعمدة الاستقرار في الخليج والمنطقة العربية، فالتقارب الوثيق بين البلدين، وما نتج عنه من تنسيق سياسي وأمني واقتصادي عميق، جعل هذه العلاقة هدفاً دائماً لمن يسعون إلى تفكيك منظومة العمل الخليجي المشترك، أو إضعاف المواقف الموحدة حيال الأزمات الإقليمية.
الشائعات تندرج ضمن نمط متكرر من حملات إعلامية مضللة تستهدف العلاقات السعودية-الإماراتية لكونها تمثل أحد أعمدة الاستقرار في الخليج والمنطقة
وتبدو الإشارة القوية التي حملها تصريح وزير الإعلام السعودي بمثابة تأكيد على أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي ليست رهينة مزاج إعلامي عابر، ولا تتأثر بتغريدات مشبوهة أو تسريبات غير موثوقة، فهذه العلاقة تستند إلى تاريخ طويل من التفاهم والشراكة وإلى قناعة راسخة لدى قيادتي البلدين بأن المصير مشترك، وأن أمن واستقرار الخليج لا يمكن تجزئته.
وتكتسب القضية بعدا إضافيا بالنظر إلى مكانة الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، بوصفه أحد أبرز صناع القرار في دولة الإمارات، وشخصية محورية في ملفات الأمن القومي والسياسات الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن "رفض" أو "توتر" مرتبط باسمه لا يمكن فصله عن محاولة متعمدة لإعطاء الانطباع بوجود تصدّع في التنسيق السعودي-الإماراتي، وهو ما يتناقض كلياً مع الوقائع الثابتة على الأرض.
كما أن التفاعل السعودي السريع مع هذه الشائعات يعكس وعيا خليجيا متناميا بخطورة الحرب الإعلامية، وبأن ترك مثل هذه الأنباء دون رد قد يفتح المجال أمام تراكم سرديات مضللة تمس ليس فقط العلاقات الثنائية، بل صورة مجلس التعاون الخليجي ككل. لذلك، فإن النفي لم يكن موجها لجمهور داخلي فحسب، بل حمل رسالة إقليمية مفادها أن البيت الخليجي ما زال متماسكا، وقادرا على حماية نفسه من محاولات التشويه.
وتؤكد تصريحات وزير الإعلام السعودي أن المملكة تنظر إلى علاقتها مع دولة الإمارات باعتبارها علاقة استراتيجية راسخة، لا تهزها الأزمات الطارئة ولا تنال منها الشائعات المغرضة. كما تعكس هذه التصريحات حرص الرياض على تحصين الفضاء الخليجي المشترك من أي محاولات لبث الفرقة أو تأجيج الخلافات، في وقت تتطلب فيه التحديات الإقليمية مزيدا من التنسيق والتكامل، لا الانقسام والتشكيك.
وتأتي تصريحات الوزير السعودي متناغمة مع الموقف الإماراتي الذي عبر عنه أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس دولة الامارات في تغريدة نشرها في ديسمبر/كانون الأول الماضي أكد فيها على اثر الأزمة الأخيرة في شرق اليمن، أن موقف أبوظبي "يضع الحكمة فوق الانفعال ويقدّم الاستقرار على ضجيج التصعيد"، مقدما بذلك مقاربة سياسية لافتة في التعامل مع التطورات المتسارعة تعكس بوضوح فلسفة إماراتية راسخة في إدارة الأزمات الإقليمية تقوم على تغليب الحكمة وضبط النفس، بعيدا عن منطق الانفعال وردود الفعل المتسرعة.
ولم يكن الموقف الاماراتي المعلن توصيفا لغويا عابرا، بل تعبيرا سياسيا عن نهج متكامل تبنّته القيادة الإماراتية منذ سنوات في التعاطي مع الملفات الشائكة في المنطقة. ويعكس هذا الموقف إيمانا راسخا بأن الانجرار خلف موجات التصعيد قد يفاقم الأزمات بدل حلّها.
كما عكست تغريدة قرقاش في توقيتها ومضمونها انسجاما واضحا مع التوجه الخليجي العام، الذي يسعى إلى احتواء الأزمات لا توسيعها، وإلى تحييد الخلافات قدر الإمكان عن مسارات التعاون والشراكة، فالحكمة التي أشار إليها ليست موقفا دفاعيا، بل خيارا استباقيا يهدف إلى حماية المصالح العليا والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة ومنع القوى المعادية من استثمار التباينات الظرفية لإحداث شرخ داخل الصف الخليجي.