السوداني إلى عُمان لدفع جهود التهدئة وتعزيز التعاون الاقتصادي
بغداد – يتوجه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني غدا الأربعاء إلى سلطنة عمان في زيارة رسمية يرافقه فيها عدد من الوزراء ضمن تحرك على محورين أحدهما سياسي يشمل بحث تهدئة التصعيد المحتمل بين إيران وإسرائيل واستكشاف ما يمكن أن تقدمه مسقط التي تلعب دور الوسيط في أكثر من أزمة إقليمية لاحتواء التوترات القائمة والكامنة، بينما يتركز المحور الثاني على بحث سبل تعزيز وتوسيع مجالات الشراكة بين البلدين في أكثر من قطاع.
وتأتي الزيارة التي أكدتها وكالة الأنباء العمانية الرسمية، وسط سياق إقليمي مشحون يراوح بين محاولات التهدئة والتصعيد المحتمل، لا سيما على خط طهران – تل أبيب، بينما يسعى العراق لتفادي التحول إلى ساحة صراع مع وجود ميليشيات مسلحة موالية لإيران كثير منها منضو في قوات الحشد الشعبي وهو تشكيل شبه عسكري يخضع ظاهريا لسلطة رئيس الوزراء القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وتحمل الزيارة أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية؛ إذ تضع بغداد في موقع الوسيط الساعي لترميم الاستقرار الإقليمي، وخصوصًا في ظل المخاوف المتزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل.
ولطالما تموضع العراق كدولة محورية في خارطة الشرق الأوسط، لكن انشغاله الطويل بالأزمات الداخلية حدّ من قدرته على لعب أدوار إقليمية فاعلة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلاً تدريجيًا، برز مع حكومة السوداني التي أبدت استعدادًا متزايدًا لاستخدام موقع العراق الجغرافي والسياسي كجسر بين المحاور المتنافسة.
ويقرأ التحرك الحالي في سياق أوسع من محاولات بغداد لإعادة تعريف دورها خارج ثنائية "التابع – الساحة"، نحو دور فاعل في هندسة الاستقرار الإقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل من طهران وواشنطن، وامتداداتها العربية والخليجية.
الوسيط الصامت الذي لا يغيب
واختيار مسقط كمحطة لهذا التحرك لم يكن اعتباطيًا، فسلطنة عُمان تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا يُحسب لها في ملف الوساطات الشائكة، من المفاوضات النووية بين إيران والغرب، إلى الدور النشط في تخفيف التوترات الخليجية – الإيرانية.
وتمتاز عُمان بعلاقات مستقرة مع إيران، دون أن تقطع حبال التنسيق مع دول الخليج والولايات المتحدة، ما يجعلها مركزا لأي حوار لا يمكن أن يُعقد في طهران أو الرياض أو تل أبيب. وهذا ما يفسّر حضورها في اللحظات الحرجة، كالحرب الأخيرة في غزة (حرب الـ12 يومًا)، وما تلاها من جهود لإعادة قنوات التواصل غير المباشرة.
إيران وإسرائيل على حافة الهاوية
وتأتي الزيارة وسط تصاعد غير مسبوق في التوتر بين إيران وإسرائيل. والتصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي أكد فيها أن بلاده لا تسعى إلى الحرب لكنها "سترد بقوة"، تتقاطع مع تحذيرات إسرائيلية متكررة من هجوم إيراني مفاجئ.
وأضفى تقرير مجلة "فورين بوليسي"، الذي رجّح قيام إسرائيل بعمل عسكري ضد إيران قبل ديسمبر المقبل، مزيدًا من الجدية على المخاوف من تحوّل الصراع غير المباشر إلى مواجهة مفتوحة. وفي هذا السياق، تصبح جهود الوساطة، وإن بدت خافتة، ضرورية لتأخير أو منع لحظة الانفجار.
والسؤال الأهم هو هل يمتلك العراق أوراقًا حقيقية للتأثير في معادلة بهذه التعقيدات؟ نظريًا، نعم، فبغداد تحتفظ بقنوات قوية مع طهران، دون أن تضع نفسها بالكامل في محور المقاومة. كما أنها تحظى بعلاقات متنامية مع بعض القوى الغربية والعربية، مما يتيح لها مساحة للمناورة.
لكن فعليًا، تربط قدرة العراق على التأثير بمدى انسجام الداخل العراقي أولًا، وبمدى انفتاح الأطراف المعنية على وساطة لا تهدف إلى فرض حلول، بل إلى منع انهيار التوازن الهش القائم وأيضا بمدى قدرة الحكومة على ضبط الميليشيات الموالية لطهران والتي قد تكون في قلب أي مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل.
والزيارة المرتقبة للسوداني إلى مسقط قد لا تُفضي إلى اتفاقات كبرى، لكنها تعكس حراكًا سياسيًا جديدًا في المنطقة، حيث تحاول بعض العواصم كسر الجمود والتصعيد بآليات الحوار لا الانفجار.
وتواصل عُمان من ناحيتها تأكيد دورها كحاضنة للتفاهمات الصامتة. أما العراق، فهو يختبر قدرته على الانتقال من موقع "الساحة" إلى موقع "اللاعب" في توازنات شرق أوسطية تتغير بسرعة، وتزداد هشاشة.
دلالات اقتصادية
وتحمل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى سلطنة عُمان دلالات اقتصادية مهمة، تتجاوز الطابع السياسي والدبلوماسي المُعلن، وتُظهر توجهًا استراتيجيًا عراقيًا نحو تنويع الشراكات الإقليمية وتعزيز الأمن الاقتصادي الوطني في ظل التحديات الداخلية والخارجية.
ويسعى العراق إلى الخروج من الاعتماد شبه الحصري على شركاء محددين (مثل إيران وتركيا والخليج والسوق الغربية)، وفتح آفاق تعاون مع دول تحظى بسمعة مستقرة وحيادية، مثل سلطنة عمان.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة في بناء علاقات اقتصادية متوازنة تساهم في تقليل الاعتماد على دولة واحدة في ملفات الطاقة، والاستثمار، والتبادل التجاري.
وعُمان عضو في تحالف أوبك+ الذي يضم 13 دولة عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بقيادة السعودية و10 منتجين من خارجها تتقدمهم روسيا، ولديها سياسات نفطية واقتصادية متوازنة.
كما أن هناك إمكانية لاستفادة العراق من الموانئ العُمانية كبوابات تصدير بديلة عن الخليج العربي، في حال أُغلقت مضائق استراتيجية نتيجة التوترات القائمة بين إسرائيل وإيران واستهداف الحوثيين للملاحة البحرية في البحر الأحمر.
وقد تحمل زيارة السوداني رسائل طمأنة للمستثمرين العُمانيين بشأن البيئة الاستثمارية في العراق، خصوصًا بعد إقرار قوانين جديدة لتسهيل عمل الشركات الأجنبية.
ونظرًا لموقع عُمان الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، فإن فتح شراكات لوجستية مع مسقط قد يمثل فرصة استراتيجية للعراق لتقليل الاعتماد على موانئ الخليج المكتظة أو الخاضعة لتقلبات سياسية.
وقد يندرج هذا في إطار رؤية أوسع لربط العراق بممرات تجارية جديدة، خاصة في ظل الحديث عن مشاريع "الطريق الدولي" أو "الربط السككي والبحري" مع دول الخليج وآسيا.