السوداني يفتح ملفي الحوار الأميركي–الإيراني وحصر سلاح الفصائل
بيروت - كشف رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني عن تحرّك عراقي نشط لترتيب مفاوضات أميركية - إيرانية في بغداد، مؤكدا أن الطرفين لا يرفضان مبدأ الحوار رغم اختلاف المحددات، مشددا في الوقت ذاته على أن حصر سلاح الفصائل قرار عراقي سيادي نابع من البرنامج الحكومي، كاشفاً عن خيارات واضحة أمام تلك الميليشيات بين الاندماج في مؤسسات الدولة أو العمل السياسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية لإعادة ضبط المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
وفي قراءة أوسع لتصريحات السوداني، يبرز سعي بغداد إلى إعادة تثبيت دورها كوسيط إقليمي قادر على إدارة التوازنات الحساسة بين واشنطن وطهران، مستندة إلى علاقات متشعبة مع الطرفين، فقد أوضح السوداني في مقابلة مع قناة الميادين اللبنانية أن الحكومة العراقية تعمل حالياً على ترتيب لقاء ثنائي في بغداد لاستئناف الحوار الإيراني الأميركي.
ولفت إلى أنه طرح على المبعوث الأميركي توم براك استثمار علاقة العراق مع إيران لفتح نافذة تفاوض جديدة، فيما يعكس هذا الطرح إدراكاً عراقياً بأن تخفيف حدة التوتر بين القوتين ينعكس مباشرة على استقرار الداخل العراقي، الذي ظل ساحة مفتوحة لتداعيات الصراع الإقليمي.
ورغم تأكيد السوداني أن واشنطن وطهران لا ترفضان العودة إلى طاولة التفاوض، إلا أن المشهد الإقليمي لا يزال مثقلاً بعقبات كبيرة، فإيران، بحسب تصريحات سابقة لوزير خارجيتها عباس عراقجي، تربط أي عودة للمفاوضات بتراجع الولايات المتحدة عن مطالب تعتبرها "غير معقولة".
كما أن المسار النووي تعرّض لانتكاسة حادة بعد توقف الجولات غير المباشرة عند الخامسة، على خلفية الحرب الجوية التي شنتها إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي بمشاركة أميركية، وما تبعها من تفعيل مسار "سناب باك" وإعادة فرض العقوبات الأممية على طهران. وضمن هذا السياق، تحاول بغداد أن تقدم نفسها كأرضية أقل توترا لإحياء الحوار، وإن كان نجاح هذا الدور يبقى رهناً بإرادات تتجاوز القدرة العراقية وحدها.
وعلى الصعيد الداخلي، انتقل السوداني إلى ملف لا يقل حساسية، يتمثل في حصر سلاح الفصائل المسلحة بيد الدولة، مؤكدا بوضوح أن هذا التوجه ليس استجابة لإملاءات أميركية، بل التزام منصوص عليه في البرنامج الحكومي الذي أقره البرلمان.
وشدد على أنه لا يقبل بإدارة حكومة تقف متفرجة على استهداف السفارات أو المعسكرات، كاشفاً أن الفصائل أمام خيارين: الاندماج في المؤسسات الأمنية الرسمية أو الانخراط في العمل السياسي.
ويكشف هذا الطرح عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والفصائل، في ظل تباين واضح في مواقف تلك القوى، فبينما أبدت فصائل عدة استعدادها المبدئي لحصر السلاح، لا تزال قوى أخرى، أبرزها كتائب حزب الله وحركة النجباء، ترفض نزع السلاح قبل تحقيق ما تسميه “السيادة الكاملة” وإنهاء الوجود الأميركي. هذا الانقسام يعكس تعقيد المشهد، ويضع الحكومة أمام اختبار صعب بين فرض هيبة الدولة وتجنب صدام داخلي واسع.
وتتقاطع هذه التطورات مع ضغوط أميركية متزايدة على بغداد لإنهاء دور الفصائل المسلحة ومنع مشاركتها في الحكومة الجديدة، خصوصاً بعد ثقلها البرلماني. ورغم الترحيب الأميركي المعلن بأي خطوات باتجاه نزع السلاح، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الحكومة العراقية المقبلة على تحويل التعهدات والتصريحات إلى واقع عملي، في ظل تشابك الحسابات الداخلية والإقليمية التي ما زالت تتحكم بمفاصل القرار في العراق.