السورية هند ظاظا من قلب الحرب إلى ملاعب العالم
في عالم الرياضة، تُكتب أجمل القصص عن أبطال تحدّوا المستحيل، لكن قلّة منهم من وُلدوا وسط الدمار ليُصبحوا رمزاً للأمل. فمن رحم المعاناة، تولد المواهب القادرة على تحدّي الظروف والصعوبات، والتغلب على جميع العقبات التي يستسلم لها كثيرون.
الشابة هند ظاظا، لاعبة تنس الطاولة السورية الواعدة، والشعلة التي أضاءت في ظلام الحرب، لتُذكّر العالم بأن سوريا أكبر من مأساتها. لم يثنها عن ملاحقة حلمها ندرة المشاركات الدولية، أو انقطاع التيار الكهربائي المستمر، أو غياب مرافق التدريب، أو استحالة التنقل تحت النيران، أو صعوبة الحصول على التمويل.
وُلدت هند عام 2009، قبل عامين فقط من اندلاع الحرب السورية، ونشأت وسط أصوات القذائف، وتدرّبت في صالات تفتقر لأبسط الإمكانيات، لتخوض معركة مزدوجة ضد الخصم على طاولة التنس، وضد واقع يحاول سرقة طفولتها وحلمها، لكنها رفضت الاستسلام، وحوّلت الألم إلى وقود، والدمار إلى دافع، في رسالة ملهمة لكل شخص في الموقف نفسه، ودعوة للقتال في سبيل الحلم.
تأهلت ظاظا إلى أولمبياد طوكيو 2020 (لُعب عام 2021) بعمر 12 سنة، بعد فوزها المستحق ببطولة غرب آسيا لكرة الطاولة أمام اللبنانية المخضرمة مريانا سهاكيان (42 عاماً) بنتيجة 4-3، لتكون أصغر رياضية تشارك في هذه الدورة، وأصغر رياضيّ في تاريخ الأولمبياد منذ بياترس هويتو التي شاركت عام 1968.
خرجت ظاظا من الدور الأول أمام النمساوية الصينية المخضرمة ليو جيا (39 عاماً) بواقع أربع أشواط نظيفة، لكنها أظهرت شخصية قوية واستطاعت مجاراة منافستها لا سيما في الشوط الثالث الذي انتهى بواقع 11-9 للنمساوية.
وخلال مشاركتها في دورة الألعاب للأندية العربية للسيدات 2024 في الشارقة، حصدت ظاظا الميدالية الذهبية بفئة الفردي بفوزها في المباراة النهائية على المصرية ريم العراقي بثلاثة أشواط لاثنين، كما حصلت على برونزية الزوجي برفقة إباء علي.
تشارك هند ظاظا في النسخة الثالثة من دورة الألعاب الآسيوية للشباب المقامة حالياً في البحرين، حيث تمكّنت في المباراة الافتتاحية من الفوز على التايلندية كولاباسر فيجيتفيرياغول المصنفة 21 بثلاثة أشواط لاثنين، ثم على الإماراتية ميرا حمد بعد انسحاب الأخيرة، وبعدها التقت الفلبينية جاناج ألاركون، المصنفة 30، وحسمت المباراة بثلاثة أشواط نظيفة، بعد تقديمها مستوى غاية في الروعة، حيث لم تترك مجالاً لمنافستها وهزمتها خلال 11 دقيقة فقط.
وفي المباراة التالية، لعبت هند مع الكورية يريم هيو، المصنفة الخامسة على العالم بفئة الزوجي المختلط، والتي قدّمت مستوى مميزاً طوال البطولة، لكنها خسرت المباراة بثلاثة أشواط نظيفة خلال 16 دقيقة، ليسدل الستار عن مشاركتها في هذه الدورة، وفي انتظار الانتباه لهذه الموهبة وتوفير كل ما يلزمها لصقل مهاراتها وتطويرها في قادم الاستحقاقات الإقليمية والدولية.
سافرت هند إلى اليابان وقطر وتايلاند والصين والإمارات، ومثّلت سوريا في بطولات قارية ودولية، مدافعةً عن حظوظها في الفوز من جهة، وعن حلم كلّ طفل سوري جرّدته الحرب من طفولته وأحلامه من جهة أخرى، في محاولة جادّة لإعادة سوريا إلى الخريطة الرياضية العالمية بعد سنوات من الغياب القسري، رافضة أن يُختزل وطنها بصور الدمار.
هند ظاظا موهبة استثنائية تستدعي منّا كل الاهتمام والرعاية، ويجب أن نلتف حولها ونرعى موهبتها، إيماناً بأهمية الرياضة ودورها في توحيد المجتمع ومعالجة الجراح ووأد الفتنة، والقناعة أن الأمل أقوى من الرصاص. تعلّمنا هند أن النصر يبدأ بالإصرار، وأن سوريا تستحق أبطالاً يرفعون اسمها عالياً، فلنكن على قدر المسؤولية، ولنجعل من قصتها جسراً نحو مستقبل نفخر به، حيث يُصفّق العالم لسوريا الموهبة، لا سوريا المأساة.