الشاعر والعالم: مختارات شعرية تكشف الأفق الإنساني في الشعر
تأتي هذه المختارات الشعرية التي اختارها وترجمها سهيل نجم تحت عنوان "الشاعر والعالم" لتمنح القارئ العربي نافذة على تجارب إنسانية متباينة، لكنها جميعاً تنبض بالهمّ الكوني المشترك الذي يجعل من الشعر لغةً عابرة للثقافات واللغات. فالقصائد التي تضمها المختارات ليست مجرّد قصائد مترجمة، بل هي محاولات صادقة للقبض على جوهر التجربة الإنسانية كما صاغها شعراء من بلدان ومناخات وأزمنة مختلفة، ثم أعاد المترجم ـ عبر لغته الشعرية ورؤيته الخاصة ـ تشكيلها لتصبح جزءاً من وعينا وثقافتنا.
هذه القصائد، إذ تتوزع بين الحلم والحقيقة، بين الفقد والرجاء، وبين تفاصيل اليومي وأفق المطلق، تشكل معاً صورة بانورامية عن قدرة الشعر على أن يكون مرآةً للروح الإنسانية. وفيها تتجاور الأصوات لتقول بلغات شتى إن الوجود الشعري واحد، وإن الإنسان في جوهره كائن يبحث عن معنى في عالم مضطرب.
ما تسعى إليه المختارات الصادرة عن دار الأدهم هو أن الشعر، عبر الترجمة، يتجاوز حدوده الأولى ليتحوّل إلى مساحة حوار بين الشاعر والقارئ، بين الذات والآخر، وبين العالم كما هو والعالم كما يمكن أن يكون. وهنا تكمن أهمية هذه النصوص: فهي ليست وثائق جمالية فحسب، بل شهادات حيّة على تواصل الأرواح عبر اللغة والإبداع.
من أبرز الشعراء الذين خصّهم سهيل نجم بالترجمة في هذه المختارات: مارك ستراند، أوكتافيو باث، بابلو نيرودا، براين باتن، بوريس كيرسونسكي، بيلي كولنز، ت. س. إليوت، تشارلز سيميك، تيد هيوز، خورخي لويس بورخيس، ديفيدسون نيكول، سهراب سبهري، فلاديمير هولان، قيصر فاليجو، يانيس ريتسوس.
في مقدمته يرى المترجم سهيل نجم أن الشاعر والعالم كيانان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فالشاعر لا يكون شاعراً إلا بوجود العالم، والعالم يفقد روحه إذا غاب عنه الشاعر. هذه العلاقة، كما يصفها، تبادلية جوهرية؛ فالشاعر قد يكون ضد الواقع، لكنه أبداً لا يكون ضد العالم، لأن بينهما تبادلاً في الكينونة.
ويؤكد أن الشاعر ليس هو من يكتب القصائد فحسب، بل هو الذي يعيد صياغة الواقع ويمنحه وجوداً شعرياً آخر يوحد بين الموسيقى الكونية ودلالات اللغة. ومن هنا يميّز بين من يكتب الشعر وليس بشاعر، وبين من يعيش الشعر من دون كتابة، فالعلاقة الشعرية بالعالم قد تكون حدسية ميتالغوية تتجسد في الإحساس العميق بالحياة.
ويشير إلى أن العلاقة بين الشاعر والعالم علاقة أبدية ما دام الإنسان موجوداً. الشعر ليس خارج التاريخ، بل هو أكثر الفنون التصاقاً بما هو روحي وخالد في الحياة الإنسانية. والشاعر الحقيقي، في تصوره، ذات متفجرة تسعى دوماً إلى السمو بعيداً عن النرجسية الفارغة، ولهذا يخشى أن يُنعت بصفة "الشاعر"، لأن هذا اللقب بالنسبة له مسؤولية إنسانية عظمى تفوق أي مسؤولية أخرى.
ويضيف نجم أن اللغة هي رأسمال الشاعر الحقيقي، وكلما ارتقى هذا الرأسمال ازدادت ثروته الإبداعية. فاللغة الشعرية عنده ليست زخرفاً أو وهماً، وإنما هي وسيلة للإيحاء وصناعة الحلم الممكن. والشاعر يحتاج إلى عزلة أليفة، عزلة روحية تتيح له أن يتوحد مع الكون ليبث رؤاه الخاصة كما تبث الأشجار الأوكسجين في الليل. لكن حين يفقد الشاعر مصداقيته، أو يغرق في الهفوات، يفقد مسؤوليته الإبداعية ويتحوّل إلى عائق في طريق الفن.
ويصف نجم الشاعر بأنه الساحر والمعلم الأول، الذي أطلق الطيور من الأحجار والينابيع من الرمال، وجعل من اللغة مطرقة تكسر جمود العقل وفرشاة تجمل العاطفة. لذلك فالشاعر الحق لا ينام إلا والعالم بين جفنيه، مشدوداً إلى الأمل، حزيناً أحياناً لكنه لا ييأس أبداً.
ويضيف أن الانفعال بالكون هو قلب الشاعر، وأن الكلمات هي عصافير نارية يطلقها نحو الأبدية. ورغم أنه لا يحب دور الواعظ، إلا أنه لا يكتب جزافاً ولا يضيّع وقته في العبارات الفارغة، لأنه مؤمن برسالة كبرى في الحياة، وإن لم يكن نبياً أو كاهناً.
أما في تفاصيل العالم، فيرى نجم أن الشاعر قد يجد ملاذه في كلمة أو قصيدة أو وردة أو طفل أو فراشة أو امرأة، فهي كلها ينابيع تغذي شعريته. والجنون ليس هويته، بل تكنيكه الذي يمكّنه من عبور الواقع إلى مدينة الشعر، بينما الخيبة إحدى مرايا الحزن التي تحيطه عندما تعجز قصيدته عن الانبثاق.
ويختم نجم بالتأكيد على تجربته الطويلة في ترجمة الشعر الممتدة لنحو نصف قرن، حيث نقل للقارئ العربي نصوصاً من أنحاء متعددة من العالم. كان دافعه إلى ذلك شعوره بالمسؤولية الجمالية والإنسانية، ورؤيته أن كل نص شعري يفتح حواراً وجودياً بين الشاعر والعالم، وبين الإنسان والكون. ويأمل أن تحمل النصوص التي ترجمها تلك الرسالة التي عبّر عنها في هذه المقدمة، وهي أن الشعر يظل، في جوهره، التعبير الأكثر صدقاً عن الروح الإنسانية في صراعها الأزلي بين الحياة والموت والانبعاث.
نماذج من المختارات
القُبلة الأولى
للشاعر الأميركي تيم سيبليز
فمها
سقط في فمي
مثل ثلج الصيف، مثل
الفصل الخامس، مثل جنة عدن جديدة،
مثل عدن حين صنعت حواء الله
ثمة أنينٌ مع الرضاب
وانحدار في وركيها -
قبلتها تؤلم هكذا -
أعني، وأُقسمُ أن الأمر مثل اختلاط
عَرق ملاكٍ
بطعم اليوسفي.
فمي
كان خوذة أبدية
مدهونة بالأسرار، فمي
طريق مسدود قليلاً
مضاءً بالأسنان - وقلبي، مقفل
بهدوء في قعر الظلام،
لكن فمها
ممتد مثل عربة سماوية
معبأ بالكناري مدفوع
من طائر الطوقان - أُقسمُ
أن تلك الشفاه رفرفت بأجنحة
مشرقة وبرّية
حين قبّلنا بعضنا بعضاً
لكأنها كانت تُعلّم
فرس البحر الكلام ـ
فمها شديد الحذر، يقضم
الحرف الأول من حلقي
حتى تحول عقلي إلى بيانو
يعزف عالياً، ويطرق هكذا ـ
كما لو أن لسانها، أُقسمُ،
هو القمر السابع لكوكب زحل ـ
ساخناً وحاراً
وبارداً ويدور
ويدور، ليحولني
إلى كوكب سعيد -
الشمس تشرق من جهة، والليل يتدفق
بيدها البطيئة من جهة: ونار
تحلق مثل طائرة ورقية من جهة أخرى.
قبلتها، أُقسمُ ـ لو أن الأم العظيمة
هرعت وفتحت القمر
مثل هدية وكنت هناك
لشعرت بظلك أخيرًا
قد تحرر من معصمك.
هكذا كان، وأحلى -
مثل عربدة لكهنة مربوطي الأرجل
على عصي البهلوان، يصعدون ويصعدون،
لهذه الجهة وهذه، ولا يسقطون
ولكن مرارا وتكرارا
يسيئون التصرف هكذا
لكنهم مقدسين - أقسمُ!
في تلك القبلة: الشفتان كلتاهما تنتميان تماماً
إلى العالم مثل فيلق السلام،
مثل متجر مجاني، إلى الأبد ودائمًا
أو مثل مدينة جديدة - لا أقفال فيها، ولا أسوار،
أبواب فحسب- أقسم بذلك،
هي هكذا.
قمر منتصف النهار
للشاعر الياباني كو أون
الوجه الشمسي لبوذا عمره ثمانمائة عامٍ
والوجه القمري لبوذا عمره ليلة واحدة
وجه الشمس ووجه القمر يقال إنهما ليسا اثنين
بل واحد.
إن كان ذلك صحيحاً
فإن القمر يطلع
بعد الغروب.
أنظروا إلى قمر منتصف النهار ذاك.
ليس سوى نكرة!
جنوب وشمال
الراهب الكبير لمعبد بوهيون
الذي في جبل ميوهيانغ اتصل
وأجابه الراهب الكبير لمعبد دايهيونغ
الذي في الأسفل في هاينام.
كيف حالك هذه الأيام؟
بوذانا صار مستديراً.
وبوذانا صار مستديراً أيضا.
ليس هناك فحسب.
في الشمال أو في الجنوب، كل بوذا صار مستديراً.
أي رفاق رائعين!
ذبابة عمرها نهار
ثلاثمائة مليون من الثانية،
إن يكن هكذا هو عمر اليوم
فكّري كم هو لا نهائي.
تقولين أن اليوم قصير جداً؟
يا لك من جشعة!
الراهب جيونغو
أنت لست أنت
إن لم تعرف النبيذ والنساء.
ناهيك إن كنت لا تعرف بقية الأشياء.
لذلك بنى زوج قديم من العقعق
عشهما على رأسك.
مخمور
لم يحدث لي أبداً أن كنت كياناً فرداً.
ستون تريليون خلية!
أعيش جماعياً.
أترنح هنا وهناك،
ستون تريليون خلية مخمورة كلها!
البوم
منتصف النهار
عيناي ساطعتان
ولكن لا تريان شيئاً.
إنتظر.
ليلك آت، لا محال.
طفل
من قبل أن تولد
ومن قبل أبيك
وأمك
كان خريرك
واضحاً.
ليس كافياً
للشاعرة الإيرانية فريدة حسن زادة مصطفوي
تخليت عن الحب
قانعة بالظلال الهادئة
والذكريات. الزمان قد مر، ضائعاً،
وتفجرت اللحظات
بمطر القنابل.
عند هبوط الليل
لم أعد أمشط أحلامي.
عند هبوط الليل
لم أعد أهتم بالشمس المتسكعة.
عند هبوط الليل
أترك القمر الخائف في السماء
يدخل الملجأ تحت الأرض.
لم أعد تلك المرأة ولا الشاعرة.
ليلة بعد ليلة
شيئاً فشيئاً
اشعر بالحقيقة.
كالصوت الدامي لأجراس الإنذار،
كزئير المدافع الدوارة المقاومة للطائرات،
كالقنابل الساقطة والصواريخ،
التي تحول الخراب والرماد
إلى حقيقة أبدية؛
أشعر ليلة بعد ليلة بالحقيقة أكثر
وبالشيخوخة،
شيخوخة وحقيقة أنني
لم أعد أرى شيئاً في المرآة
سوى ممر خال من الكراسي.
آه، أليس ذلك يكفي؟
ما الذي يحتاجه الإنسان
غير رغيف من الخبز،
وليلة هادئة
وحفنة من الحب المجرد،
من أجل أن يكون قانعاً
بظلال هادئة
وذكريات.







