الصدر يدخل على خط أزمة المياه في تحذير أقرب للدعاية السياسية
بغداد – مع تفاقم أزمة المياه في العراق وتراجع منسوبها إلى مستويات لم يشهدها البلد منذ ثلاثينات القرن الماضي، دخل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على خط التحذيرات، مطالبا بإنقاذ مياه العراق من التلوث، وإبعاد هذا الملف الحيوي عن المزايدات السياسية.
ودعوة الصدر لإبعاد الملف عن "المهاترات السياسية" تسلط الضوء على إشكالية مزمنة في إدارة الأزمات العراقية، حيث تتحول القضايا الحيوية إلى ساحة صراع بين القوى السياسية بدلاً من أن تكون محور توافق وطني.
واعتاد الصدر على مثل هذه التدخلات التي تكتسي طابعا اجتماعيا وصحيا في اطار دعاية هي أقرب للمزايدات السياسية القائمة في هذا الملف وضمن حسابات يرجح أن تكون انتخابية.
ويرى مراقبون أنّ أزمة المياه قد تكون اختباراً حقيقياً لجدية الطبقة السياسية في مواجهة التحديات الوجودية بعيداً عن الحسابات الفئوية، فالمعادلة لم تعد مرتبطة بالخدمات أو التنمية فحسب، بل بقدرة العراق على ضمان مقومات بقائه في مواجهة تحديات التغير المناخي والسياسات الإقليمية.
وقال الصدر في منشور له عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً) إن "المسألة لم تعد مجرد أزمة تقنية بل قضية إنسانية لا يمكن السكوت عنها"، مشيراً إلى أنّ العراق يقف أمام تهديد جديد بعد أزمة الكهرباء المزمنة، يتمثل في احتمالات تفاقم تلوث المياه في ظل تراجع الخزين المائي. وقد ختم رسالته بوسم "أنقذوا ماء العراق من التلوث".
وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد أكدت في يوليو/تموز الماضي أنّ انخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، إلى جانب التأثير المتسارع للتغير المناخي، أدى إلى تراجع كبير في الخزين المائي. وأشارت إلى أنّ عام 2025 قد يسجل أدنى معدلات للجفاف منذ عام 1933، ما يجعل الوضع المائي أكثر تعقيداً.
وانعكس هذا التراجع مباشرة على واقع المحافظات العراقية، حيث شهدت ثلاث منها خلال الأسابيع الأخيرة انخفاضاً حاداً في المخزون المائي، وسط تحذيرات من تفشي أمراض مرتبطة بتلوث المياه. وأطلقت وزارة الصحة ومنظمات محلية حملات توعية لتفادي موجات الأمراض الانتقالية المحتملة، في ظل غياب حلول جذرية سريعة.
والأزمة المائية في العراق لم تعد محصورة في قلة الأمطار، بل تتداخل فيها عوامل إقليمية ودولية، فإضافة إلى التغير المناخي الذي جعل العراق واحداً من أكثر خمس دول عرضة لتداعياته وفق تقارير أممية، فإن سياسات دول الجوار، ولا سيما تركيا وإيران، في بناء السدود وتحويل مجاري الأنهار، قلصت حصة العراق المائية بشكل لافت.
وتحذر تقارير بحثية محلية من أنّ استمرار هذا النهج قد يقود إلى "كارثة إنسانية"، ليس فقط بفعل شح المياه للشرب والزراعة، بل أيضاً نتيجة تهديد الأمن الغذائي بعد فقدان نحو 30 في المئة من الأراضي الزراعية المنتجة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وكان البنك الدولي قد حذّر في تقرير نهاية عام 2022 من أنّ العراق يواجه "تحدياً مناخياً طارئاً" يستدعي إعادة النظر في نموذج التنمية الحالي. ووفقاً للتقرير، فإن العراق سيحتاج إلى نحو 233 مليار دولار حتى عام 2040 للاستجابة لحاجاته التنموية الأكثر إلحاحاً، أي ما يعادل 6 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي سنوياً، إذا ما أراد بناء اقتصاد "أكثر اخضراراً وشمولاً".
وهذه الأرقام تكشف أنّ الحلول ليست تقنية أو ظرفية فقط، بل ترتبط بقدرة العراق على رسم استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع المياه كعنصر أساس في أمنه القومي ومستقبله الاقتصادي.