الصدر يُحيي حوزة سامراء في مناورة صامتة مع "الاخوة الأعداء"

احياء حوزة سامراء قد يكون بداية لبناء مركز حوزوي مواز أو مكمل، لكنه يمنح مقتدى الصدر مساحة دينية مستقلة عن وزن النجف وهيمنتها التاريخية.

الحنانة (العراق) – وجه مقتدى الصدر زعيم التيار الوطني الشيعي (الصدري سابقا) دعوة لإعادة احياء الحوزة العلمية في سامراء، في تحرك يحمل أكثر من دلالة سياسية وفي توقيت يشير إلى ارتباط هذه الخطوة بالحراك الحالي لتشكيل الحكومة وصراع النفوذ داخل الإطار التنسيقي وخارجه.

ويبدو أن دعوة الصدر تأتي في أكثر من سياق ببعدها الديني والسياسي إلا أنها لا تخرج على أرجح التقديرات عن منارات اعتاد الزعيم الشيعي على اطلاقها ضمن سياق المناكفات مع "الاخوة الأعداء" من قوى الإطار التنسيقي وحالة الشد والجذب داخل البيت الشيعي.

وجاءت دعوة الصدر في بيان نشره مكتبه على حساباته بمنصات التواصل الاجتماعي وكشف خلالها عن تكليف الشيخ مازن الساعدي والشيخ علي المسعودي بالإشراف على طلبتها ودروسها وشؤونها المالية.

ويبدو أن هذه الخطوة ليست مجرّد مبادرة لإحياء مؤسسة دينية تاريخية، بل أقرب إلى رسالة متعدّدة المستويات، تتقاطع مع صراع النفوذ داخل الحوزات الشيعية، ومع سياق سياسي عراقي شديد السيولة في مرحلة التحضير لتشكيل حكومة جديدة واحتمال عودة التوتر بين الصدر وخصومه في الإطار التنسيقي.

وتاريخياً، ارتبطت سامراء بعمقٍ خاص في الوعي الشيعي، لكونها تضم مراقد الإمامين العسكريين، فضلاً عن كونها إحدى المحطات الحوزوية التي تراجع دورها لصالح النجف وقم خلال القرن الماضي. وإحياء هذه الحوزة اليوم يعني، في أحد أبعاده، محاولة لإعادة الاعتبار لمدينة لها رمزية عقائدية كبرى، وربط التيار الصدري بإرث ديني لا يقل أهمية عن إرث النجف.

لكن الدلالة الأهم تكمن في أن مقتدى الصدر، الذي حاول في السنوات الماضية تقديم نفسه كزعيم سياسي ـ اجتماعي ذو بعد ديني، يعود الآن إلى توظيف البعد "الحوزوي" لإعادة تثبيت موقعه الديني بعد فترة من الابتعاد النسبي عن المشهد السياسي.

وتكليف شخصيتين دينيتين مقربتين منه بالإشراف على الحوزة والدروس الدينية ودفع الرواتب يشير إلى محاولة بناء نواة مؤسساتية دينية مستقلة، أكثر تنظيماً من الشكل التقليدي للمدارس التابعة للتيار.

صراع نفوذ غير معلن مع حوزة النجف؟

ورغم أن الصدر يكرّر دائماً احترامه لمرجعية النجف، إلا أنّ خطوته الجديدة لا يمكن فصلها عن التوازنات داخل الحوزة، فالنجف تمثل المرجعية العليا، وهي المركز الأهم للقرار الديني الشيعي، ومواقفها المتحفظة على الانخراط المباشر في السياسة تجعلها على مسافة من خطاب الصدر الذي يجمع بين الدين والسياسة والشارع.

وإنشاء حوزة فاعلة في سامراء قد يكون بداية لبناء مركز حوزوي موازٍ أو مكمل، لكنه يمنح مقتدى الصدر مساحة دينية مستقلة عن وزن النجف وهيمنتها التاريخية. وهذا لا يعني صداماً مباشراً، لكنه يفتح الباب أمام "تعدد المرجعيات" في بيئة عراقية حساسة، ويمنح الصدر قدرة على خلق بيئة دينية تعكس أفكاره الإصلاحية وشعاراته حول "محاربة الفساد" و"نقاء الخط الشيعي"، بعيداً عن مسار النجف الذي يتسم بالحذر الشديد تجاه السياسة اليومية.

ولا يمكن فصل الخطوة عن الاستراتيجية الأوسع للصدر القائمة على المزج بين الديني والشعبي والسياسي، فالتيار الصدري يستند تاريخياً إلى قاعدة اجتماعية واسعة، لكن تجميد نشاطه السياسي بعد انسحابه من البرلمان وفشل الاحتجاجات الأخيرة في فرض أمر واقع، جعله في حاجة لاستعادة أدوات التعبئة من بوابة الدين.

وإحياء حوزة سامراء يتيح للصدر فتح قناة جديدة للتأثير العقائدي على شرائح واسعة، خصوصاً في مناطق وسط العراق وشماله، بعيداً عن الاحتكاك المباشر مع قوى الإطار التنسيقي في الجنوب. كما يمنحه قدرة على إعادة إنتاج حضور "الدعاة" وطلبة العلم المرتبطين به، وهو ما قد يشكّل قاعدة عقائدية ـ اجتماعية تمهّد لعودة سياسية قوية عندما يقرر استخدام ورقة الشارع مجدداً.

ويأتي هذا التحرك في لحظة سياسية مفصلية، حيث يجري العمل على تشكيل حكومة جديدة وسط خلافات حادة داخل قوى الإطار نفسها. ويُنظر إلى اقتحام الصدر للمشهد الديني الآن كنوع من "إعادة التموضع" انتظاراً لفرصة مناسبة للعودة إلى التأثير السياسي، سواء من خلال محاولة فرض شروطه على الحكومة المقبلة أو عبر تحريك الشارع إذا شعر بأنّ الإطار يحاول فرض صيغة حكم تغلق الباب أمامه لسنوات.

والتحرك "الحوزوي"، في هذا السياق، يشكّل رسالة إلى خصومه مفادها أنه لم يغادر الساحة، وأنه قادر على بناء قوة دينية ـ اجتماعية موازية، قد تتحول في أي لحظة إلى قوة سياسية مضادة. وهذا التلويح غير المباشر قد يكون جزءاً من معادلة الضغط التي يفضلها الصدر، إذ لطالما استخدم الدين والشارع كأدوات في مواجهة خصومه.

وتتجاوز خطوة إحياء حوزة سامراء إطارها الديني التقليدي، فهي محاولة لإعادة الاعتبار لرمزية شيعية مهمة، وفي الوقت نفسه تأسيس مركز نفوذ ديني مستقل يمنح مقتدى الصدر قدرة أكبر على المناورة. وبينما قد يراها البعض محاولة للمنافسة مع حوزة النجف، تبدو في جوهرها جزءاً من استراتيجية توسيع القاعدة الشعبية استعداداً لاحتمالات سياسية قادمة، قد يكون من بينها عودة الصدر إلى الشارع في أي لحظة يجد فيها أن موازين القوى تتشكل ضده.