الصفقة إيرانية والخديعة أميركية
من غير أن تتورط في حرب جديدة يمكن للولايات المتحدة أن تعطل المشروع النووي الإيراني وتعقيه إلى الأبد. ما فعلته إسرائيل عبر السنتين الماضيتين يؤكد أن معجزة من ذلك النوع صارت ممكنة.
فلمَ لا تفعل والإيرانيون يحاولون إدخالها إلى بيت الطاعة كما لو كانت دولة صغيرة؟ ربما لا أحد من الأميركان الرسميين يأخذ على محمل الجد ما يصرح به الإيرانيون بغض النظر عن مناصبهم.
يهتم الأميركان بحقائق يحتفظون بها لأنفسهم ولا تغادر ملفاتهم وغرفهم السرية. تلك حقائق تمثل في جزء منها نسبة الخطر الإيراني على المصالح الأميركية. قد لا تكون تلك النسبة كبيرة كما توحي التسريبات الإيرانية. ويمكن القياس في ذلك على تهديدات حزب الله وحماس لدولة إسرائيل التي لا تخرج عن نطاق الإزعاج بالرغم من أن الطرفين، حزب الله وحماس، يشيعان أنهما في طريقهما إلى إزالة الكيان الصهيوني الغاصب.
لقد استفاد الإسرائيليون من الخطاب الذي يدعو إلى اجتثاثهم وإزالة دولتهم. ذلك ما جعل منهم ضحايا وما سيبرر وحشيتهم في الرد. فمقابل صواريخ حماس التي وان قتلت إسرائيليا فبالصدفة، كانت إسرائيل تلجأ إلى تدمير غزة وحرمان أهلها من خدمات عزيزة لفترات طويلة من الزمن.
تلك ظاهرة للقياس ليس إلا وهي ظاهرة تتصل بالعقل الإيراني وإن كان ذلك العقل يفرق ما بين ما يقع على الأراضي الإيرانية وبين ما يقع على الأراضي التي يحتلها جنود إيران من غير الإيرانيين مثل لبنان وغزة.
يعرف الأميركان حجم إيران الحقيقي. هل ستصبح دولة نووية ومتى؟ كيف ولماذا وما هو الهدف الذي يتسترون عليه إذا ما وافقوا على أن يحول الملالي دعاباتهم السوداء إلى حقائق؟
وإذا ما عدنا إلى السلوك الأميركي فإن هناك حربا كادت أن تقع بسبب نووي كوريا الشمالية الذي لم يكن في الإمكان تفاديه. ولأن إيران تمثل خطرا يمكن تفاديه فإن التراخي الأميركي ينطوي على الكثير من المعاني التي يمكن أن يقنعنا بعضها أن المشروع النووي الإيراني هو مجرد كذبة استفادت منها الولايات المتحدة من خلال استعمال إيران دمية قبيحة لإخافة الآخرين واصطياد مواقع ضعفهم.
لقد أضرت إيران بجيرانها وهي تعي أن ما تفعله يؤثر بطريقة سلبية على السلم العالمي وكان في ذهنها أنها تلقي خطوات في اتجاه المكانة التي يجب أن تحصل عليها كونها الدولة الأكثر مراسا في الشر والأشد عدوانية في ظل تمكنها من نشر عصاباتها المسلحة في مختلف انحاء العالم العربي بحيث لن يكون هناك شرق أوسط جديد إلا وتكون إيران واحدا من أهم عرابيه.
الآن أعود إلى قنبلتها النووية.
حتى هذه اللحظة فإن ما فعلته إيران لا ينذر بالنسبة للإميركان بخطر كبير. ميزاننا ليس ميزان أميركا. لا يمكن لأحد أن يلزمها بميزانه الأخلاقي. جربت أوروبا مرات وفشلت. أميركا هي أميركا. خيالها يسبق قدميها فتصنع واقعا منتحلا تجبر الآخرين على تصديق أنها عاشته.
ما بين فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية أو شن حرب مباشرة ستمد إدارة الرئيس بايدن الحبل لنظام الملالي. سيكون من الصعب احياء الاتفاق النووي القديم. ذلك هو المنطق إذا ما اقترنت المفاوضات بمطالبة إيران في أن تكون دولة طبيعية في المنطقة. بمعنى أن يرافق تخليها عن حلم السلاح النووي تغيير في سياستها الخارجية ودعمها للإرهاب.
ذلك كلام لا يمكن أن يتفهمه الإيرانيون الذين صاروا يزعمون أن الاتفاق صار تحت اليد غير أنهم لن يوقعوا إلا إذا سبق ذلك التوقيع رفع لكل العقوبات، بضمنها تلك العقوبات التي لا صلة لها بالنووي. يمكن أن لا تكون تلك الأخبار حقيقية، غير أن ما هو مؤكد أن إيران تدرك أن التوصل إلى تسوية مع المفاوض الغربي أمر هو في غاية الصعوبة. لا لشيء إلا لأن رفع اليد عن المستعمرات الجديدة هو أمر أسوأ بكثير من التخلي عن انتاج السلاح النووي.
ما حققته إيران في مشروعها الاستعماري لم تحققه في مشروعها النووي. ومن المثير للاستفهام المروع أن إيران لم تصل إلى مراحل متقدمة من مشروعها الاستعماري إلا من خلال الوفرة المالية التي جهزها بها الاتفاق النووي القديم.
لذلك فإنها لن توقع على اتفاق جديد إلا إذا در عليها ذلك أموالا. وبما أن المماطلة مسموح بها فإن الرئيس الإيراني رئيس لن يسلم كسابقه روحاني رقبته للمزايدين على التقرب من المرشد الأعلى إلا إذا كانت المكافأة أعلى من مكافأة عام 2015.
تريد إيران أن تخرج رابحة من عملية التهديد بأسد قد لا يكون موجودا. فيما يصمت الأميركان عن حقيقة ذلك الأسد الوهمي.