حصر السلاح بيد الدولة لا يهدد إلا الفاسدين
ليس علينا أن نصدق كل ما يُقال عن إستحالة نزع سلاح الميليشيات في منطقة الشرق الأوسط على الرغم من أن بعضه يستند إلى الواقع.
لا أعول هنا على هستيريا الخوف من إسرائيل لدى بعض اللبنانيين والخوف من داعش لدى بعض العراقيين. تلك مخاوف غير حقيقية إذا أنجز الجيش اللبناني مهمته في فرض سيادة الدولة على كل المواقع التي يحتلها مقاتلو حزب الله وإذا ما تخلصت الحكومة العراقية من أسلوب المناورة الإيراني وصدقت في ثقتها بالقوات المسلحة العراقية مستفيدة من الدعم الأميركي غير المحدود.
في تلك الحالة لا إسرائيل تجد سببا لتعكير السلام في لبنان ولا داعش في إمكانه أن يتحرك بيسر في العراق. كل ما يبديه الناس العاديون من مخاوف هو عبارة عن استجابة تلقائية لأخبار مضللة تشيعها قوى مستفيدة من استمرار سلاح الميليشيات وهو سلاح غير خاضع لسلطة الدولة في كل الأحوال حتى لو أوهم المشتركون في العملية السياسية جمهورهم بأن ذلك السلاح منضبط وفق القوانين كما هي الحال في العراق. ذلك نوع من الاستخفاف بالعقول.
تقف إيران في مقدمة القوى المستفيدة من بقاء الميليشيات. حتى إيران نفسها لا تنكر أن تلك الميليشيات تابعة لها وهي خاضعة لأوامر الحرس الثوري. صنعت إيران تلك الميليشيات في سياق مبدأ تصدير الثورة وهو ما يعني أن الهدف من ابتكار الميليشيات لا يتحقق إلا من خلال خدمة المشروع التوسعي الإيراني. وهو ما فعلته الميليشيات حين خضعت للحسابات الإيرانية الخاطئة فأوقعت نفسها في فخ لا خلاص منه كما حدث لحركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان.
لقد تمت تصفية قيادات مهمة في حروب ابتكرتها إيران من أجل فرض شروطها في المفاوضات النووية وتبين أن كل تقديراتها قد بُنيت على ركام من الأخطاء وأنها ضحت بأتباعها من غير أن تنجو من العقاب الجزئي. هل تعلمت حماس وحزب الله شيئا من ذلك الدرس وبالأخص على مستوى الثقة بتقنيات التفكير السياسي الإيراني؟ من وجهة نظري أنهما لا تملكان الجرأة على إعلان انسحابهما من الخندق الإيراني. وهو ما يشجع إيران على المضي قدما في مشروع الانتحار بالوكلاء من خلال الإيعاز لهم بالتمسك بالسلاح الذي لم ينفعهم في أوقات سابقة. العقل السياسي الإيراني يفكر اليوم في سرقة الوقت وتمريره في انتظار نهاية عهد ترامب.
على مستوى أقل أهمية هناك أطراف كثيرة محتمية بسلاح الميليشيات وهي لن تقوى على الهروب من العدالة إذا ما اختفى ذلك السلاح. على سبيل المثال فإن قتلة الرئيس رفيق الحريري معروفون وهم يتجولون في ضاحبة بيروت الجنوبية ولو لم يكن هناك سلاح حزب الله لما تمكنوا من الإفلات من العدالة.
في العراق يقف نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق في مقدمة الفالتين من العقاب لذلك فإن صوته هو أعلى الأصوات في الدفاع عن بقاء السلاح غير القانوني. فلو لم يكن ذلك السلاح الإيراني موجودا لكان المالكي خلف القضيان منذ زمن طويل، فهو المسؤول عن جريمة احتلال الموصل إضافة إلى ملفات الفساد التي هو بطلها والتي لا تزال تكلف الدولة العراقية عشرات المليارات سنويا.
وجود السلاح غير المنضبط هو بمثابة حماية لسياسيين ارتكبوا جرائم ثبتت مسؤوليتهم عنها. ما أنا على يقين منه أن كل السياسيين الذين يدافعون عن سلاح الميليشيات ويرفضون حصر السلاح بيد الدولة هم مجرمون وجدوا في بقاء تلك الميليشيات فرصة للإفلات من العقاب. وليس في ذلك أي استثناء.
أما أسوأ المستفيدين من سلاح الميليشيات وأكثرهم رثاثة فهم حملته. علينا أن نكون منصفين في تلك المسألة الإنسانية. هناك في العالم العربي مشكلة اسمها البطالة. شباب بغض النظر عن مستواهم الدراسي وخبرتهم ومؤهلاتهم لا يجدون عملا. كل الظروف تقول إنهم صيد سهل. أولئك الشباب هم مادة الميليشات. تقبض راتبا مقابل أن تحمل بندقية. ما أيسره من عمل. بعد ذلك يأتي التثقيف العقائدي غير أن الأهم أن يكون السلاح هو مصدر العيش. تلك هي أكثر المشكلات تعقيدا. مَن يطالب بنزع سلاح الميليشيات عليه أن يفكر أولا في البحث عن عمل شريف لحملته. من غير ذلك فإن إيران ستظل ممسكة بقرني الثور كما يُقال. وفي كل الأحوال فإن نزع سلاح الميليشيات لابد أن يقلل من نسب الفساد ويفتح الطريق في اتجاه التنمية. ذلك يعني الانفتاح على فرص عمل أكثر.