الطب يصحّح خطأ أستمر 90 عاما بطي صفحة 'تكيّس المبايض'
لندن - بدأت القصة في عام 1935، حين قام طبيبان أميركيان بفحص مبايض سبع نساء وملاحظة وجود تكتلات صغيرة، فافترضا خطأً أنها "أكياس" (Cysts) وأطلقا على الحالة اسماً ظل ملازماً للمرأة لعقود طويلة.
هذا الخطأ التاريخي في التسمية استغرق نحو 91 عاماً لتصحيحه، حيث أعلنت مجلة "ذا لانسيت" (The Lancet) يوم الثلاثاء 12 مايو/آيار 2026، وبناءً على توافق لجنة دولية من الأطباء والمرضى، تغيير اسم "متلازمة تكيس المبايض" (PCOS) لتصبح "متلازمة المبيض الاستقلابية والغدد الصماء المتعددة" (PMOS). ويأتي هذا التحوّل بعد عمل توافقي استمر لأكثر من عقد، شمل استطلاع آراء 22,000 مريض وممارس صحي لضمان دقة المصطلح الجديد وشموليته.
حقيقة "الأكياس" المزعومة
إن الحقيقة التي كشفتها تقنيات التصوير الحديثة تؤكد أن تلك التكتلات التي رآها شتاين وليفينثال لم تكن أبداً أكياساً بالمعنى الطبي، بل هي "جريبات" (Follicles) توقفت عن النمو في منتصف الطريق نتيجة خلل هرموني.
وبناءً على ذلك، تفرض المعايير الجديدة على الأطباء وصف الحالة بأنها "جريبات متعددة" وليست "أكياساً"، مما ينقل التركيز من مظهر المبيض إلى الخلل الوظيفي الكامن خلفه. فالمتلازمة في جوهرها اضطراب متعدد الأنظمة يتمركز في جهاز الغدد الصماء، وهي الشبكة المسؤولة عن إفراز هرمونات حيوية مثل الأنسولين والكورتيزول وهرمونات الغدة الدرقية، مما يعني أن مشاكل المبيض هي مجرد نتيجة تابعة لهذه الاختلالات وليست المسبب الأولي لها.
التحول من "الشكل" إلى "الوظيفة"
هذا التغيير في المسمى ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة سريرية لتغيير طريقة تفكير الأطباء؛ فكلمة "مبيض" كانت تحصر اهتمامهم في العضو التناسلي فقط، بينما تدفعهم مصطلحات مثل "استقلابية" و"غدد صماء" للنظر إلى الجسم ككيان متصل.
وتتضمن المعايير التشخيصية الجديدة الآن تقييماً إجبارياً للمؤشرات الحيوية مثل مقاومة الأنسولين ومؤشر كتلة الجسم وتوزيع الدهون الحشوية حول الخصر، باعتبارها المحرك الأساسي للمرض. كما تمنح المعايير الجديدة ثقلاً أكبر للأعراض السريرية الظاهرة وتاريخ المريضة على حساب نتائج السونار، للحد من "التشخيص الزائد" للفتيات الصغيرات اللواتي يمتلكن مبايض نشطة طبيعياً، ومنع "التشخيص الناقص" للنساء اللواتي يعانين من اضطرابات هرمونية رغم أن مبايضهن تبدو طبيعية إشعاعياً.
تكامل الصحة النفسية والأرقام الصادمة
وعلى الصعيد النفسي، أدرجت التوصيات الجديدة لأول مرة الفحص النفسي كجزء لا ينفصل عن التشخيص والمتابعة، حيث يلزم الأطباء بالبحث عن علامات الاكتئاب السريري واضطرابات القلق والأكل التي ترتبط وثيقاً بالاضطراب الاستقلابي للمتلازمة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبرى عند النظر إلى الأرقام الصادمة، إذ تؤثر المتلازمة على امرأة من بين كل ثماني نساء عالمياً، ومع ذلك فإن 70% من المصابات لم يتم تشخيصهن قط. كما تشير الإحصائيات إلى أن نصف المصابات يصبن بداء السكري من النوع الثاني قبل سن الأربعين، وهي مخاطر تتجاوز المعدلات الطبيعية بأضعاف.
نحو حقبة جديدة من الرعاية الشاملة
إن الانتقال الكامل إلى إرشادات (PMOS) بحلول عام 2028 يمثّل حقبة جديدة من العلاج الشامل. فمن المفترض مستقبلاً أن تخضع أي امرأة تعاني من هذه الأعراض لتقييم يشمل مستوى سكر الدم وحالتها المزاجية جنباً إلى جنب مع دورتها الشهرية، مما يضمن معالجة كافة جوانب المرض التي أخفاها الاسم القديم طوال 91 عاماً. وبذلك، يتحقق الهدف من وقف التشخيص القائم على الشكل الخارجي للمبيض لصالح فهم أعمق وأدق لصحة المرأة ككل.