العراق: دولة غنية بنفطها… فقيرة بنموذجها الاقتصادي
ليس الخلاف اليوم على توصيف وضع العراق الاقتصادي، فالتقارير الدولية الكبرى تكاد تتحدث بصوت واحد. الخلاف الحقيقي هو في ما إذا كانت الدولة العراقية قد استوعبت بعد، أن ما يواجهه اقتصادها ليس أزمة عابرة، بل نموذجًا مختلًا يراكم المخاطر بهدوء، وينتظر الصدمة التالية ليكشف هشاشته من جديد. فالعراق، في نظر المؤسسات الدولية، لا يقف على أعتاب الانهيار، لكنه يعيش في منطقة رمادية خطرة بين الاستقرار المؤقت والانكشاف الدائم.
في عام 2025، لم تُبدِ تقارير صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أي ميل للمجاملة. على العكس، بدت اللغة أكثر وضوحًا وحدّة: العراق ما زال دولة ريعية بامتياز، تعتمد على مورد واحد، وتنفق أكثر مما تنتج، وتؤجل الإصلاح بدل أن تواجه كلفته السياسية والاقتصادية. هذه ليست أحكامًا أيديولوجية، بل خلاصات تقنية صادرة عن مؤسسات تراقب الأرقام قبل النوايا.
أولى هذه المعضلات، وأكثرها خطورة، هي الاعتماد شبه المطلق على النفط. فوفق تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي، تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 90 في المئة من دخل الدولة، وهو رقم لا يعكس قوة، بل هشاشة بنيوية شديدة. فكل موازنة تُبنى في بغداد هي، في جوهرها، رهان على سعر برميل لا تملكه الدولة ولا تتحكم بمساره، ويتأثر بعوامل جيوسياسية واقتصادية خارج حدودها، من قرارات "أوبك" إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي والتحولات في الطلب على الطاقة.
هذا الاعتماد المفرط ينعكس مباشرة على المالية العامة. فالتقارير الدولية تشير بوضوح إلى اختلال عميق في هيكل الإنفاق، حيث تلتهم الرواتب والدعم والتحويلات معظم الموازنة، بينما يبقى الاستثمار الإنتاجي ضعيفًا وهامشيًا. ومع غياب قواعد مالية صارمة أو صندوق سيادي فعّال، تتحول كل دورة نفطية صاعدة إلى فرصة لتوسيع الإنفاق الجاري، لا لبناء احتياط مالي أو تمويل تحول اقتصادي مستدام. وهكذا، يصبح العجز احتمالًا دائمًا مع أي انخفاض في الأسعار، كما حذرت بعثات صندوق النقد في تقارير المادة الرابعة لعام 2025.
أما تنويع الاقتصاد، فيبقى العنوان الأكثر تداولًا والأقل تحققًا. فالقطاع غير النفطي، رغم بعض التحسن الظرفي، لا يزال ضعيف الإنتاجية، محدود القيمة المضافة، ومحاصرًا ببيئة تنظيمية طاردة. البنك الدولي ومنظمة OECD يشيران بوضوح إلى أن المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في منظومة كاملة من البيروقراطية المعطِّلة، ضعف التمويل، غياب المنافسة العادلة، وعدم استقرار السياسات. في ظل هذه الشروط، لا يبدو الاستثمار خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا، بل مغامرة غير محسوبة.
ويظهر الخلل البنيوي بأوضح صوره في سوق العمل. فالتقارير الدولية تؤكد أن الاقتصاد العراقي لا يخلق وظائف منتجة كافية، خصوصًا للشباب الداخلين سنويًا إلى سوق مكتظة أصلًا. التوسع في الاقتصاد غير النظامي، كما تشير OECD، يعني وظائف هشة، إنتاجية منخفضة، وقاعدة ضريبية ضعيفة، ما يعمق الأزمة بدل أن يخففها. الدولة توظف أكثر مما تستطيع تحمّله، والقطاع الخاص لا ينمو بما يكفي لملء الفراغ، فتتسع الفجوة عامًا بعد عام.
ولا يمكن فصل كل ذلك عن الفساد والحوكمة الضعيفة. فترتيب العراق في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة Transparency International عند حدود المرتبة 140 من أصل 180 دولة، ليس رقمًا دعائيًا، بل مؤشر عملي على بيئة تُستنزف فيها الموارد، وتُشوَّه فيها القرارات، ويُثبَّط فيها الاستثمار. الفساد هنا ليس ظاهرة جانبية أو استثناءً، بل جزء من طريقة عمل الاقتصاد نفسه، كما تصفه تقارير البنك الدولي، ما يجعل أي إصلاح جزئي عرضة للتعطيل من الداخل.
تُضاف إلى هذه التحديات مخاطر خارجية متصاعدة. فالتباطؤ العالمي، والاضطرابات الجيوسياسية، والتحولات المتسارعة في أسواق الطاقة، كلها عوامل تحذر منها OECD في تقارير 2025، وتؤكد أن الدول الريعية مثل العراق ستكون الأكثر تأثرًا بها. ومع ذلك، لا تزال السياسات الاقتصادية تتصرف وكأن الطلب على النفط مضمون، والعوائد دائمة، وكأن الزمن يعمل لصالح نموذج أثبت هشاشته مرارًا.
ثم تأتي أزمة المياه والمناخ لتغلق الدائرة. فالتقارير الدولية تربط بوضوح بين شح المياه، تراجع الزراعة، الهجرة الداخلية، والضغط على المدن والخدمات. وهي عوامل لا تضيف فقط أعباء اقتصادية جديدة، بل تهدد الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل. إنها أزمة صامتة، لكنها أخطر من تقلبات الأسعار، لأنها تمس أساسات العيش والإنتاج معًا.
النتيجة التي تصل إليها المؤسسات الدولية في 2025 واضحة ولا لبس فيها: العراق لا يعاني من مشكلة إدارة إيرادات فحسب، بل من أزمة نموذج اقتصادي كامل. دولة عالية الريعية، بإنفاق مرتفع، إنتاج ضعيف، مؤسسات متقادمة، وفساد يعيق أي تحول جاد. وأي تحسن في الإيرادات، ما لم يُرافق بإصلاحات بنيوية حقيقية في المالية العامة، الحوكمة، وتنويع الاقتصاد، سيبقى تحسنًا هشًا، مؤقتًا، وقابلًا للانهيار مع أول صدمة نفطية، سياسية، أو أمنية.
هكذا يرى العالم العراق اليوم… لا كدولة فقيرة، بل كدولة لم تحسم بعد خيارها بين إدارة الأزمة، أو الخروج منها.