العراق ما بين الحلم والخراب
حين نستعرض البدايات، ندرك أن العراق لم يكن بلدًا بلا تجربة سياسية كما يعتقد البعض. دستور 1925، الذي أسس الدولة الحديثة، كما يشير حنّا بطاطو في الجزء الأول من "الطبقات الاجتماعية في العراق"، وضع أسس البرلمان المنتخب، وصحافة نشطة، وأحزابًا قومية وليبرالية ويسارية ودينية، شكّلت مشهدًا سياسيًا متنوعًا كان بالإمكان أن يتطور لو لم تُقاطع مسيرته بالقوة. ويؤكد حازم جواد في مذكراته “في قلب العاصفة” أن النظام الملكي، رغم أوجه القصور، كان يتجه تدريجيًا نحو بناء مؤسسات راسخة وقضاء مستقل وتوازن طبيعي بين القوى السياسية.
لكن انقلاب 14 تموز 1958، كما يصفه أمين سعيد في "تاريخ العراق السياسي الحديث"، لم يُسقط النظام الملكي فحسب، بل أسقط فكرة الدولة التي تأسست على مدار 38 عامًا. بدأ عبدالكريم قاسم حكمه بإلغاء الدستور الملكي، وحلّ البرلمان، وتعطيل الانتخابات، ثم أصدر دستورًا مؤقتًا من وضعه الخاص، مانحًا نفسه سلطات غير محدودة. اجتماع منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة في شخص واحد جعل الحدود بين السلطات تختفي، وتحولت الدولة إلى حكم فردي مطلق.
جمّد قاسم الحياة الحزبية، وقيّد الصحافة، وأخضع القضاء لإرادته المباشرة. لم تعد القوانين تُصدر عن نقاش مؤسسي، بل عن قرارات فردية. وتحولت الوزارات إلى وحدات عسكرية يتحكم بها ضباط موالون للسلطة، كما يوضح علي الوردي في “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث”. وتزامن هذا مع اتساع دائرة العنف السياسي، بدءًا من قتل الأسرة الهاشمية، مرورًا بأحداث الموصل 1959، وصولًا إلى المواجهة مع البعثيين وسجن عبد السلام عارف. امتلأت السجون بالمعارضين، وتوسعت المحاكمات السريعة، وبدأت الدولة تفقد روحها المدنية تدريجيًا.
اقتصاديًا، تراجعت موارد الدولة بسبب النزاع مع شركات النفط، وارتفعت ميزانية الجيش، واشتدت عسكرة الحياة العامة. دخل العراق بذلك مرحلة الانقلابات المتتابعة (1963 و1968)، إذ إن غياب المؤسسات جعل السلطة هدفًا سهلاً لمن يمتلك القوة.
وفي عام 1979، جاء صعود صدام حسين ليغلق دائرة حكم الفرد التي بدأت مع قاسم. وكما يؤكد كنعان مكية في “جمهورية الخوف”، لم يكتفِ صدام بإكمال المسار، بل بنى دولة أمنية حديدية توسعت فيها قبضة المخابرات لتصبح أقوى من الوزارات. وخلال 35 عامًا، تحولت الدولة إلى منظومة تُدار بالحرب والخوف، وتلاشت المعارضة، وتعددت الجرائم السياسية من الأنفال إلى المقابر الجماعية، كما وثّقته تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش.
جاءت الحرب العراقية–الإيرانية لتستنزف موارد البلاد، ثم غزو الكويت وما تبعه من حصار خانق دمّر الاقتصاد والبنية التحتية، وفق تقارير البنك الدولي وبرنامج الغذاء العالمي في التسعينيات. تراجعت كل الخدمات الأساسية: التعليم، الصحة، مستوى المعيشة، والبنية الاجتماعية نفسها. هذا كله لم يكن حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لمسار بدأ بإلغاء البرلمان في 1958، وانتهى بانهيار الدولة عام 2003.
ومع سقوط النظام السابق ودخول القوات الأميركية، وجد العراق نفسه أمام لحظة تاريخية مفصلية: إعادة بناء دولة جديدة تقريبًا من الصفر. دستور 2005 أسس نظامًا اتحاديًا فيدراليًا يعترف بتعدد المكونات ويمنح المحافظات والإقليم الكردي صلاحيات واسعة، وتمّت صياغته بمشاركة الأحزاب العراقية وبحضور دولي.
نصّ الدستور على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واللامركزية الإدارية، واحترام الحريات المدنية، وتوزيع الثروة بشكل عادل، واعتماد الانتخابات الدورية لتجديد السلطة. كان يمكن أن يشكّل نقطة ولادة جديدة للعراق لو تعاملت الطبقة السياسية معه بوصفه عقدًا وطنيًا ملزمًا، لا مجرد وثيقة يمكن الالتفاف عليها.
لكن، كما توضح تقارير معهد تشاتم هاوس ومركز كارنيغي، انحرفت تطبيقات الدستور عن نصّه. تمددت المحاصصة على حساب الدولة، وضعفت المؤسسات أمام نفوذ الأحزاب، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي تسيطر عليه شبكات نفوذ حزبية. وبقيت العلاقة بين بغداد وأربيل متأرجحة، إذ لم يُحترم مبدأ الشراكة أو بنود إدارة النفط وتوزيع الثروة. ومع تصاعد التدخلات الإقليمية وظهور داعش عام 2014، ثم الانتخابات الأخيرة في 2025 التي اعتبرها مراقبون لحظة فاصلة لقياس جدية الأحزاب في تطبيق بنود الدستور، دخل العراق مرحلة جديدة من الاستنزاف السياسي والأمني.
ورغم كل ذلك، يظل دستور 2005 ـ من حيث المبدأ ـ أول وثيقة عراقية حديثة تعترف بالتنوع وتضع أساسًا لنظام اتحادي ديمقراطي. وهي فرصة لا تزال قابلة للتطوير إن توفرت الإرادة السياسية واحترام روح الدستور لا مجرد نصوصه. ويبقى التحدي قائمًا في إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير حكومة فعالة قادرة على حماية حقوق جميع المكونات، خصوصًا بعد أن أثبتت التجربة الطويلة أن الفرص التاريخية تضيع بسرعة إذا لم تُحترم أسس الدولة.
ما بين 1925 و2003 مرّ العراق بثلاث لحظات تاريخية كبرى: بناء دولة ملكية دستورية، وانهيارها بانقلاب عسكري أسس لحكم الفرد، ثم محاولة إعادة بناء دولة ديمقراطية اتحادية بعد 2003. وخلال ستة عقود، خسر العراق مؤسساته، وحياته الحزبية، واستقلال القضاء، وصحافته الحرة، وتوازنه السياسي والاجتماعي.
اليوم يقف العراق بين ماضٍ مثقل بالخراب، ودستور اتحادي يمنح الأمل، وواقع سياسي لا يزال يبحث عن طريقه. مستقبل البلد يتحدد إمّا بالعودة إلى مؤسسات الدولة وقواعد الدستور، أو بالاستمرار في تدوير أزمات بدأت قبل أكثر من ستين عامًا، تاركًا حلم تأسيس الدولة الحديثة معلّقًا بين النص والتطبيق، بين الماضي والفرصة القادمة، وبين وعود الدستور وإمكانات الإصلاح الحقيقية.