العراق يتأهب لطي صفحة قوات التحالف الدولي بشراكة مدنية
بغداد – يستعد العراق لمرحلة مفصلية في تاريخه الأمني، تتمثل في التحول من الوجود العسكري للتحالف الدولي إلى شراكة مدنية جديدة، وسط تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في البلاد.
ويأتي هذا التحول بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأجنبي، وفي وقت تتعاظم فيه المخاوف من تكرار سيناريو الانسحاب السابق وتداعياته الأمنية.
وكشف المتحدث باسم السفارة الأميركية في بغداد اليوم الاثنين عن قرب توقيع اتفاقية شراكة "مدنية" بين التحالف الدولي والعراق، تتزامن مع الانسحاب "العسكري" المخطط له بحلول سبتمبر المقبل.
وقال المتحدث في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن التحالف الدولي لهزيمة داعش (عملية العزم الصلب) سينتقل من مهامه العسكرية في العراق إلى شراكة أمنية ثنائية أكثر تقليدية، مؤكدا على استمرار جهود التحالف المدنية بقيادة مدنية على المستوى العالمي.
وأكد المتحدث أن هذا التحول لا يعني نهاية عمل التحالف، بل يأتي ضمن خطة التحول نحو تعزيز الاستقرار في العراق من خلال الشراكة الأمنية والتعاون المدني المستمر.
وتهدف هذه الشراكة الجديدة إلى الحفاظ على مكاسب محاربة داعش وتوفير الدعم اللازم للقوات العراقية في مرحلة ما بعد الانسحاب الكامل.
وفي هذا السياق، قال مصدر حكومي عراقي لوكالة شفق نيوز إن الحكومة العراقية اتفقت مع دول التحالف الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على تحديد جدول زمني لبدء سحب القوات العسكرية وإنهاء مهام التحالف بحلول سبتمبر 2026.
وتنص المرحلة الأولى من هذا الاتفاق، وفقا للمصدر، على إنهاء مهام التحالف لدى الحكومة المركزية بحلول سبتمبر 2025، بما يشمل انسحاب القوات من قاعدة عين الأسد ومقر بعثة التحالف في بغداد، مع نقل جزء من القوات إلى إقليم كردستان والجزء الآخر إلى الكويت.
أما المرحلة الثانية، تتضمن جدولة الانسحاب العسكري الكامل للتحالف بحلول سبتمبر 2026، حيث سينخفض عدد القوات من حوالي 2000 جندي إلى أقل من 500 شخص، يقتصر وجودهم على أربيل، بينما سينتقل باقي العدد إلى الكويت.
وعلى الرغم من الطابع المنظم للانسحاب المعلن، تبرز تحذيرات من مغبة التسرع في هذا الملف، وفي هذا الصدد، حذر عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام، من تكرار "أخطاء عام 2011"، عندما أدى الانسحاب المبكر للقوات الأميركية إلى فراغ أمني استغله تنظيم داعش للسيطرة على ثلث مساحة العراق بعد عامين فقط.
وقال سلام في تصريح لوكالة "بغداد اليوم" إن "التهديدات الإرهابية لا تزال قائمة، وخطر داعش ما زال حاضرا، خاصة في ظل التوترات الإقليمية في سوريا والمنطقة عموما".
وشدد سلام على ضرورة أن "تضمن الحكومة العراقية أقصى استفادة من الوجود الأميركي، خصوصا بالنظر إلى محدودية القدرات الجوية العراقية، وألا يتم الانسحاب تنفيذا لرغبات دول أخرى، لأن الخاسر الأكبر سيكون العراق".
ويرى متابعون أن تجربة الانسحاب الأميركي عام 2011 تركت فراغا أمنيا أسهم في صعود تنظيم داعش، الذي سيطر لاحقا على مساحات واسعة من العراق وسوريا، ما أدى إلى موجة عنف واسعة ونزوح ملايين المدنيين.
في حين يؤكد خبراء أمنيون أن الوضع الأمني العراقي لا يزال هشاً، مع تهديدات إرهابية مستمرة من خلايا داعش النائمة، إضافة إلى التوترات الإقليمية في سوريا وتأثيراتها على الحدود العراقية.
وعلى هذا الأساس، يرى المراقبون ضرورة التنسيق الدائم مع التحالف الدولي والاستفادة القصوى من القدرات العسكرية المتاحة قبل أي انسحاب محتمل.
ووسط هذا المشهد الضبابي، تواجه الحكومة العراقية تحديات مزدوجة تتمثل في الحفاظ على سيادة الدولة وضمان أمن المواطنين، ومن ناحية أخرى، إدارة الضغوط السياسية الداخلية والخارجية المتعلقة بملف الوجود العسكري الأجنبي.
وجاءت هذه التطورات بعد أكثر من ستة أشهر من المفاوضات التي بدأها رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في يناير 2023، والتي تزامنت مع تصاعد هجمات الفصائل المسلحة المدعومة من إيران على القوات الأميركية.
وفي وقت سابق، كشف ضابط عراقي كبير لوكالة "شفق نيوز" عن أن قوات التحالف الدولي قد بدأت بالفعل في إجراءات خاصة استعدادًا للانسحاب من بغداد، بما في ذلك مواقع في المنطقة الخضراء والعمليات المشتركة، وذلك ضمن سياق يُتوقع أن ينتهي فعليا منتصف العام المقبل، مع الانتقال لموقع بديل في إقليم كردستان وفق المعلومات الأولية، مشيرا إلى أن الإخلاء الفعلي سيكون في منتصف عام 2025.
وتؤكد هذه التصريحات على أن الاتفاق قد دخل حيز التنفيذ العملي، على الرغم من تأجيل الإعلان الرسمي عنه في وقت سابق بسبب التصعيد الإقليمي بعد أحداث غزة وحوادث مثل قصف قاعدة "عين الأسد".
وينتظر الاتفاق موافقة قيادتي البلدين وتحديد موعد "رسمي" للإعلان عنه خلال الشهر الحالي.
وتهدف واشنطن وبغداد إلى بناء علاقة استشارية جديدة قد تسمح ببقاء بعض القوات الأميركية في العراق حتى بعد الانسحاب الكامل. وهذا المسار يؤكد على أن الشراكة الأمنية ستستمر، لكن بأسلوب مختلف يراعي سيادة العراق ويستجيب لتطلعاته الوطنية، مع الحفاظ على القدرات الضرورية لمواجهة التهديدات الإرهابية.
ويبقى مستقبل الأمن في العراق مرهونا بقدرة الحكومة على إدارة هذا التحول المعقد، وتحويل الانسحاب العسكري إلى فرصة لتعزيز القدرات الوطنية. وعلى الرغم من التحديات، تبقى آمال العراقيين معلقة على قدرة بغداد في تحقيق التوازن الدقيق بين الحفاظ على سيادتها الوطنية وتأمين استقرارها، متجنبة بذلك أخطاء الماضي التي كادت أن تودي بها.