العراق يتحرك لمعالجة ثغرات غسيل الأموال

موافقة بغداد على العمل مع مجموعة العمل المالي لا ترتبط فقط بالامتثال للمعايير الدولية، بل تعكس أيضا ضغوطا متزايدة لتجنيب البلاد مخاطر العزلة.

بغداد - وافق العراق على التعاون مع مجموعة العمل المالي "فاتف" لمعالجة أوجه القصور في منظومته الخاصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد عملية مراجعة استمرت قرابة عامين، وفق مسؤول أميركي، في وقت كشفت فيه التحركات الحكومية الأخيرة عن حجم التحديات المرتبطة بتفشي الفساد وتشابك النفوذ السياسي والأمني داخل مؤسسات الدولة، وهي ملفات باتت تحظى باهتمام واشنطن. 

وينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها اعترافا بالحاجة إلى معالجة ثغرات استراتيجية في منظومة مكافحة غسيل الأموال، والتي يرى خبراء أنها تفاقمت بفعل انتشار الفساد وضعف الرقابة على حركة الأموال والأنشطة الاقتصادية.

وقال المسؤول إن بغداد بدأت بالفعل اتخاذ خطوات إيجابية تعكس إرادة سياسية للالتزام بالمعايير الدولية، مشجعا الحكومة العراقية على تسريع تنفيذ خطة العمل الخاصة بالمجموعة المالية الدولية.

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يكون الفساد المستشري في مؤسسات الدولة قد وفر بيئة مناسبة لتدفقات مالية غير مشروعة، مستفيدا من ضعف الرقابة وتعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح الحزبية والأمنية.

ويرى مراقبون أن موافقة بغداد على العمل مع مجموعة العمل المالي لا ترتبط فقط بالامتثال للمعايير الدولية، بل تعكس أيضا ضغوطا متزايدة لتجنيب العراق مخاطر العزلة المالية أو إدراجه ضمن القوائم التي تفرض قيودا على التعاملات المصرفية والاستثمارات الأجنبية.

وتتزامن هذه الضغوط مع حملة تغييرات واسعة يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي، يرجح أن تشمل أكثر من مئة مسؤول، في خطوة يصفها مراقبون بأنها تتجاوز الطابع الإداري إلى محاولة لإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، خصوصا بعد سنوات من هيمنة شبكات حزبية وشخصيات متهمة بإدارة ملفات الدولة وفق اعتبارات سياسية أكثر من اعتمادها معايير الكفاءة والشفافية.

وتشير مصادر سياسية إلى أن عملية التقييم لا تقتصر على الأداء الوظيفي، بل تمتد إلى طبيعة الارتباطات السياسية والتنظيمية لبعض المسؤولين، مع توجه لاستبعاد شخصيات متهمة بقربها من الفصائل المسلحة أو بالفشل في إدارة الملفات التي كانت تحت إشرافها.

وتضع هذه المعطيات حكومة الزيدي أمام اختبار معقد، إذ لا ترتبط مكافحة الفساد فقط بإقالة المسؤولين أو تغيير المناصب، وإنما تتطلب تفكيك شبكات النفوذ التي ترسخت داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، والتي اتهمت مرارا بإضعاف مؤسسات الرقابة وتكريس المحاصصة السياسية.

ويرى مراقبون أن نجاح أي إصلاحات مالية وإدارية سيظل رهنا بقدرة الحكومة على مواجهة الفساد المستشري داخل المؤسسات، والذي كان سببا رئيسيا في تعثر خطط الإصلاح السابقة، فضلا عن تأثيره على ثقة المستثمرين والعلاقات المالية للعراق مع المؤسسات الدولية.

وكشفت مصادر سياسية أن المبعوث الأميركي توم باراك ناقش خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد ملفات تتعلق بشكل الدولة العراقية وآليات إدارة المؤسسات السيادية وتعزيز استقلال القرار الحكومي عن مراكز النفوذ التقليدية، بما يعكس اهتمام واشنطن بإعادة هيكلة مؤسسات الحكم بالتوازي مع معالجة الملفات المالية والأمنية.

ووفقا للمصادر، أفضت تلك التفاهمات إلى إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء، إضافة إلى استبعاد مشروع "وزارة الأمن الاتحادي" الذي كان مطروحا لدمج تشكيلات أمنية مختلفة، بينها الحشد الشعبي وفصائل مسلحة.

وفي موازاة ذلك، تتواصل المفاوضات بشأن الوزارات الأمنية وبعض الحقائب الخلافية، بينما يسعى الزيدي إلى الدفع بشخصيات توصف بالتكنوقراط لتولي المناصب الحساسة، في محاولة لإظهار جدية الحكومة في إحداث تغيير مؤسساتي يحد من نفوذ القوى التقليدية.

ويرى متابعون أن نجاح هذه المساعي سيظل مرهونا بقدرة الحكومة على مواجهة شبكات الفساد المتجذرة، والتي لطالما شكلت أحد أبرز أسباب تعثر الإصلاحات، فضلا عن ارتباط بعض الملفات المالية والإدارية بتوازنات سياسية معقدة تجعل أي محاولة للتغيير عرضة لمقاومة قوية من القوى المتضررة.