محاكمة وزير مغربي سابق ترسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

قضية محمد مبديع تسلط الضوء على أن الحديث عن حماية المال العام لم يعد مجرد شعارات سياسية.

الرباط - أعاد الحكم القضائي الصادر بحق الوزير السابق محمد مبديع، الذي تولى حقيبة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة في عهد الحكومة التي قادها الإسلاميون برئاسة عبد الإله بنكيران حينها، النقاش والمطالبة المجتمعية بضرورة مساءلة كبار المسؤولين والشخصيات النافذة في الدولة. وتأتي هذه الإدانة في سياق ملف مرتبط بشبهة تبديد أموال عمومية واختلالات مالية وإدارية جسيمة في الجماعة الترابية 'الفقيه بنصالح'، التي ظل يترأسها لعقود.

ولا تمثل إدانة مسؤول بهذا الحجم السياسي والتدبيري مجرد إجراء قضائي عابر، بل تجسد فتحا حقيقياً لباب المحاسبة الشاملة لكل من تقلد مناصب حكومية أو تدبيرية بارزة وتحوم حوله شبهات الفساد، فيما شكلت هذه القضية رسالة واضحة مفادها أن الحصانة السياسية أو الحزبية لم تعد درعاً واقياً من المساءلة القانونية.

ويظهر جليا من خلال هذه القضية أن المغرب يمر بمنعطف تاريخي في مسار تخليق الحياة العامة، حيث تلاقت الإرادة الملكية الحازمة مع المقتضيات الدستورية الصارمة ومطالب شعبية ملحة لتثمر واقعاً قضائياً جديداً لا يستثني أحداً، فقضية محمد مبديع وما تلاها من ملفات تشير بوضوح إلى أن إلى استمرار نهج إصلاحي يروم ترسيخ قيم النزاهة والشفافية كمعيار وحيد لتولي المسؤولية وتدبير الشأن العام في المملكة.

وشهدت المنظومة السياسية والقانونية في المملكة المغربية في السنوات الأخيرة تحولا نوعياً وجذرياً في التعاطي مع ملفات الفساد المالي والإداري. ولم يعد الحديث عن حماية المال العام مجرد شعارات سياسية أو مادة للاستهلاك الإعلامي، بل انتقل المغرب، بفضل إرادة سياسية حازمة، إلى مرحلة التفعيل الصارم للمقتضيات الدستورية والقانونية، مكرساً مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" كركيزة أساسية لبناء دولة الحق والقانون.

ولا يمكن الجزم بأن الصورة في المملكة وردية مئة في المئة، فالتحديات جسيمة والفساد المالي والإداري ظاهرة عامة تعاني منها معظم الدول العربية، لكن كل المؤشرات تجمع على أن المغرب يخطو بثبات ضمن مسار شامل، نحو تعزيز الشفافية والنزاهة وتخليق الحياة العامة وترسيخ مبدأ المحاسبة.

ويستند هذا الحزم المغربي في مكافحة الفساد إلى منظومة متكاملة حظيت بدعم مباشر ورعاية مستمرة من الملك محمد السادس، أسست لعهد جديد من الجدية والمحاسبة. وقد تجلت هذه التوجيهات الملكية في مناسبات متعددة أكد فيها العاهل المغربي أنه لا أحد فوق القانون، وأن التهاون في تدبير الشأن العام أو العبث بمقدرات الشعب المغربي يستوجب تفعيل الآليات العقابية دون تردد.

وقد شكل دستور سنة 2011 القاعدة الصلبة التي انطلقت منها هذه الدينامية، من خلال التنصيص الصريح على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحصين الهيئات الرقابية كالمجلس الأعلى للحسابات، فضلاً عن تعزيز استقلالية السلطة القضائية ممثلة في النيابة العامة ومحاكم جرائم الأموال، والتي أصبحت تتحرك بمرونة وصرامة لملاحقة ناهبي المال العام.

والغاية من هذه التحركات القضائية المكثفة هي ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وتثبيته كعقيدة ثابتة في الإدارة المغربية. ويمثل هذا التوجه قطيعة حقيقية مع ممارسات سابقة، وينقل منظومة الحكامة من التنظير إلى واقع يلمسه المواطن في تسيير الشأن المحلي والوطني. كما أن ملاحقة الفساد تساهم بشكل مباشر في تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، وضمان توجيه الموارد التنموية نحو مشاريع حقيقية تخدم الصالح العام بدلاً من تبديدها في صفقات مشبوهة.