العراق يحدّث بيانات الشرع ويُبقي على تجميد أمواله
بغداد - تسلّط الخطوة العراقية الأخيرة بتحديث بيانات الرئيس السوري أحمد الشرع الذي عُرف لسنوات بلقب أبي محمد الجولاني، ضوءا جديدا على إشكالية العلاقة بين الواقع السياسي المتحوّل في سوريا والالتزامات القانونية الثابتة التي تربط بغداد بمنظومتها الدولية في مكافحة الإرهاب، فعلى الرغم من أن الشرع يشغل اليوم منصب رئيس سوريا، حافظت لجنة تجميد أموال الإرهابيين في العراق على التصنيف السابق بحقه، مكتفية بإجراء تعديل تقني على بياناته ليتوافق مع التحديثات التي أقرّتها لجنة عقوبات داعش والقاعدة في مجلس الأمن.
ويكشف القرار المرقم 62 لسنة 2025، والمنشور في الوقائع العراقية، أن بغداد لم تتجه نحو مراجعة العقوبة نفسها، بل إلى مطابقة البيانات الرسمية مع هويته الصريحة: أحمد حسين الشرع المولود عام 1982. أما التجميد السابق لأمواله المنقولة وغير المنقولة، الصادر عام 2019، فقد بقي قائماً من دون تعديل، ما يؤكد أن العراق يتعامل مع الملف من زاوية قانونية صارمة لا تتأثر بالمستجدات السياسية في دمشق.
هذه المقاربة القانونية الصارمة تتعارض ظاهرياً مع التغييرات الجذرية في مكانة الشرع، الذي انتقل من قيادة هيئة تحرير الشام إلى رئاسة الإدارة الانتقالية ثم تثبيته رئيساً لسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ويبدو أن بغداد، على عكس بعض القوى الدولية، تتعامل مع تحوّله من داخل منطق الالتزامات الأممية، ففي الوقت الذي كانت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسلك مساراً تدريجياً لرفع التصنيفات الإرهابية بحق الفصائل التي قادها الشرع بما في ذلك إلغاء تصنيف جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام (حاليا) منظمة إرهابية أجنبية، اختارت العاصمة العراقية الإبقاء على الوضع القانوني كما هو، مع الالتزام بالتحديثات الشكلية فقط.
غير أن الملف لم يكن قانونياً بحتاً في العراق، فصعود الشرع إلى رئاسة سوريا أعاد فتح ملفات قديمة ترتبط بإرثه الأمني عندما كان ضمن شبكات مرتبطة بالقاعدة في العراق بعد 2003.
وتداولت الأوساط السياسية والقانونية في بغداد أسئلة محرجة حول وجود مذكرات قبض وأحكام غيابية قديمة بحقه. وبينما نفت السلطة القضائية صحة وثائق جديدة نُشرت على مواقع التواصل تتحدث عن أوامر قبض حديثة، لم تُحسم نهائياً مسألة المذكرة الأصلية، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام الجدل.
وتحوّل الجدل إلى مواجهة سياسية بعدما وجّهت الحكومة العراقية دعوة للشرع لحضور قمة عربية في بغداد، فقد اعتبرت قوى شيعية أن استقبال شخصية مثقلة بماضٍ يُنظر إليه في العراق بوصفه "ماضياً دموياً" يشكل مساساً بضحايا العمليات المسلحة، في حين رأى آخرون أن الانفتاح على القيادة الجديدة في دمشق يفرض نفسه ضمن ضرورات التوازنات الإقليمية، وأن تعليق العلاقات على ملفات قديمة لم يعد عملياً في لحظة سياسية تتشكل بسرعة في سوريا والمنطقة.
لكن خارج هذه السجالات، يندرج قرار تحديث بيانات الشرع ضمن حزمة أوسع تعكس توجهاً عراقياً لتسوية منظومتها الرقابية مع التزاماتها الدولية. فقد شملت القرارات الأخيرة إدراج جهات مثل حزب الله اللبناني وجماعة الحوثيين ضمن القوائم الوطنية، استناداً إلى قرارات مجلس الأمن وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لسنة 2015، فضلاً عن نظام تجميد أموال الإرهابيين لعام 2023. وبذلك تجري محاولة واضحة لإظهار أن بغداد تتعامل مع اللوائح الأممية بوصفها التزاماً مؤسسياً وليس خاضعاً للمساومات السياسية.
وتعني هذه التحديثات أن جميع المؤسسات المالية في العراق ملتزمة بتجميد أي أموال تعود للأسماء المدرجة ومنع التعامل معها، إلى حين صدور قرارات رفع التجميد. وهي إجراءات ترتبط مباشرة بمسعى العراق للتماهي مع معايير مجموعة العمل المالي (فاتف) في مرحلة يُنظر فيها إلى الامتثال المالي بوصفه شرياناً أساسياً لثقة المؤسسات الدولية بالنظام المصرفي العراقي.
بهذا المعنى، يبدو قرار بغداد المتعلق بالشرع أقل ارتباطاً بشخصه وأكثر اتصالاً بعملية تنظيم واسعة تريد الدولة العراقية من خلالها تخفيف الضغوط الدولية وإثبات جدّيتها في مكافحة تمويل الإرهاب، حتى وإن أدّى ذلك إلى الإبقاء على تصنيف رئيس دولة مجاورة ضمن قوائم التجميد، في مشهد يختلط فيه القانوني بالسياسي وتزداد تعقيداته مع كل تحول جديد في الإقليم.