العودة إلى الذات بين التفتّت والاكتمال في 'البحث عن أحجية'
تُعد رواية "البحث عن أحجية" للكاتبة سارة علي تجربة سردية تتجاوز الشكل التقليدي للرواية إلى فضاءٍ فلسفي تأملي، تتقاطع فيه أسئلة الوعي، والهوية، والدافع النفسي، مع بنية سردية متشظّية تعتمد التقطيع واللوحات الجزئية.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل البنية الفنية والفكرية للرواية من خلال منهج التحليل النفسي الفلسفي، للكشف عن آليات بناء الذات وتحوّلاتها في سياق بحثها عن المعنى والاكتمال الإنساني.
تمثل رواية "البحث عن أحجية" نموذجًا للرواية المعاصرة التي تسعى إلى تفكيك مفهوم السرد والذات معًا. فهي لا تروي حكاية متسلسلة، بل تعرض مجموعة من "القطع" السردية التي تشكل عالمًا متداخلًا من التجارب الإنسانية والنفسية، مثل: انطفاء الشعلة، تذبذب المشاعر، مراحل البناء الذاتي، وتبادل المصالح.
هذا التقطيع لا يُعدّ انقطاعًا، بل أسلوبًا فنيًا مقصودًا يعكس تشظّي الذات المعاصرة، الباحثة عن اكتمالها وسط عالم متغيّر ومعايير متبدلة.
وتنطلق الكاتبة من فرضية أن الذات الإنسانية ليست وحدة مغلقة، بل كيانٌ يتشكل من لحظات الإدراك والانكسار وإعادة الاكتشاف. من هنا يتضح البعد الفلسفي في العنوان نفسه: "البحث عن أحجية"، إذ البحث لا يعني الحل، بل الرحلة نحو الفهم.
أولًا: البنية السردية والتشكيل الفسيفسائي
اعتمدت الكاتبة بنية القطع السردية المتجاورة، التي تمثل أجزاءً من لوحة كبرى لا تكتمل دفعة واحدة.
كل قطعة، مثل انطفاء الشعلة أو تبادل المصالح، تمثل زاوية من زوايا التجربة الإنسانية، لكنها تُحيل دائمًا إلى مركزٍ واحد: رحلة الوعي.
بهذا المعنى، تتبنى الرواية أسلوب الفسيفساء السردية (Narrative Mosaic)، الذي يجعل القارئ فاعلًا مشاركًا في بناء المعنى، لا متلقيًا سلبيًا.
فالقارئ مطالب بإعادة ترتيب المشاهد ليكشف "الصورة الكبرى"، تمامًا كما يفعل من يحل أحجية ذهنية أو عاطفية.
وتتجاور الأصوات السردية في الرواية دون تناقض، مما يمنح النص بعدًا تعدديًا في الرؤية والوعي، فيتحول من سرد الذات إلى تعدد الوعي (Polyphony) وفق اصطلاح باختين، حيث تتبادل الذوات وجهات النظر حول القيمة، العمل، والخوف، والنجاح، دون أن يهيمن صوتٌ واحد على السرد.
ثانيًا: جدلية الذات والآخر (التحليل النفسي)
في انطفاء الشعلة، يعيش البطل لحظة وعي مؤلمة حين يكتشف أن فرحته بالإنجاز لم تكن نابعة من تحقيقه الشخصي، بل من نظرات الإعجاب في عيون الآخرين.
تلك اللحظة تُشكّل، بحسب التحليل النفسي، صدمة نرجسية تكشف اعتماد الذات على الاعتراف الخارجي (Recognition)، وهو ما يشير إليه الفيلسوف هيغل في جدلية السيد والعبد، حيث لا تكتمل الذات إلا حين تُعترف بها من الآخر.
لكن مع تطور الأحداث، يتجاوز البطل هذه المرحلة إلى وعيٍ جديد، يتجسد في مراحل البناء الذاتي، حيث يصبح قادراً على تحرير ذاته من "تقييمات الخارج" ليكتشف "قيمة الداخل".
هنا تنتقل الرواية من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الوعي والاستقلال النفسي، وهو ما يُقارب مفهوم "الفردنة" عند كارل يونغ، أي اكتمال الذات من خلال مواجهة ظلّها الداخلي وتقبله.
ثالثًا: الفكرة الفلسفية والبحث عن المعنى
الرواية تُعيد صياغة السؤال الفلسفي الأزلي:
ما الذي يمنح الإنسان قيمته؟ الإنجاز، أم الوعي بالإنجاز؟
يتجلّى هذا السؤال في كل قطعة من الأحجية، خصوصًا في مقاطع مثل:
"ربما لم تولد سعادتي من الإنجاز ذاته، بل من انعكاسه في عيون الآخرين."
"حين حررت إنجازاتي من تقييمات الآخرين، أصبح الدافع بداخلي حرًّا."
هنا تتجاوز الكاتبة الجانب النفسي إلى بعدٍ فلسفي وجودي، يقترب من فكر سارتر وكامو في تأكيد حرية الإنسان ومسؤوليته عن بناء معناه الذاتي في عالمٍ عبثي.
كما تُقدّم الرواية تصوّرًا مغايرًا لفكرة "الوصول":
"كل الطرق تؤدي إلى روما، ولكن الوصول لا يعني أنك انتهيت."
هذه الجملة تُكثّف البنية الفكرية للنص: فـ"الوصول" ليس نهاية، بل بداية وعي جديد، مما يجعل الرواية دورة مستمرة من البحث والاكتشاف — أحجية لا تكتمل لأنها تمثل الحياة ذاتها.
رابعًا: اللغة والأسلوب
لغة الرواية تنتمي إلى ما يُعرف بـ السرد التأملي – التحليلي.
هي لغة وسط بين الأدبية والذهنية، لا تنغمس في المجاز المفرط، لكنها تحتفظ بعمق شعري ينبع من الإيقاع الداخلي للجمل ومن التوتر النفسي بين الفكرة والشعور.
ويبدو أن الكاتبة تتبنى أسلوب "تيار الوعي" (Stream of Consciousness) بأسلوبٍ منضبط، حيث تُقدَّم المشاعر والأفكار في تدفقٍ منطقي متدرج، مما يجعل النص قريبًا من القارئ رغم عمقه الفلسفي.
خامسًا: الرموز والدلالات
الأحجية: تمثل الذات الإنسانية في حالتها المفتوحة، غير المكتملة.
الشعلة: رمز الدافع الداخلي والهوية التي تتغذى من نظرات الآخرين.
المرآة: رمز المواجهة مع الذات، والاعتراف الداخلي بالحقيقة.
روما: رمز النهاية الموهومة، والوصول الذي لا يحقق الاكتمال.
تعمل هذه الرموز كوحدات بنائية متكررة (Motifs) توحّد التجربة السردية وتربط بين القصص الفرعية في نسيجٍ تأويلي واحد.
سادسًا: الرؤية الإنسانية
ترتكز الرواية على رؤية إنسانية شاملة، ترى في الوعي الذاتي طريقًا للتحرر من القلق والاغتراب.
إنها نصّ يعالج مسألة الإنسان المعاصر الذي يعيش بين ضغط الإنجاز وفراغ المعنى، بين سطوة العالم الرقمي والحاجة للجوهر الإنساني الأصيل.
ومن خلال هذه الرؤية، تتحول «البحث عن أحجية» إلى مرآة لعصرٍ نفسيّ مضطرب يبحث عن التوازن بين العقل والعاطفة، بين الفرد والمجتمع.
سابعًا: التقييم النقدي
يمكن القول إن سارة علي استطاعت أن:
تُقدّم بناءً روائيًا غير تقليدي يجمع بين الفكر والتحليل النفسي.
تُعبّر عن التجربة الإنسانية بصدقٍ بعيد عن الزخارف اللفظية.
تخلق توازنًا بين العمق الفلسفي والحميمية الشعورية.
لكن يُلاحظ أن سيطرة البعد الفلسفي في بعض المقاطع تأتي أحيانًا على حساب الإيقاع السردي والحوار الدرامي، وهو ما يمكن تجاوزه بتوسيع المشاهد السردية الملموسة التي تمنح التجربة حسًّا دراميًا أعمق.
الخاتمة:
رواية "البحث عن أحجية" ليست بحثًا عن حلّ، بل عن وعي.
إنها عمل أدبي يُجسّد رحلة الإنسان في اكتشاف ذاته وسط عالمٍ فقد بوصلته القيمية.
فيها يتحول السرد إلى مختبرٍ فلسفي ونفسي، تتفاعل فيه العاطفة مع الفكر، والاعتراف مع التفسير، حتى يصير النص ذاته أحجية مفتوحة — تكتمل فقط عندما يكتشف القارئ أنه جزء منها.
المراجع النقدية المقترحة:
ميخائيل باختين – قضايا شعرية دوستويفسكي (حول تعدد الأصوات).
جان بول سارتر – الوجود والعدم.
كارل يونغ – مراحل النمو النفسي واللاوعي الجمعي.
بول ريكور – الزمان والحكاية.
عبد الملك مرتاض – في نظرية الرواية.