العَقلُ العَربِيُّ بين التَّجْدِيدِ الهَارِب والتَّحْرِيرِ الصَّائب
يخطئ من يظن أن الفكر الإسلامي ـ وليس الإسلام ـ لا يعاني أزمة معرفية، ولا يخوض معركة تفصله عن الوشائج والعلائق بتراثه المعرفي الأصيل؛ سواء المتصل بحوادث بعينها، وهو ما اتُّفِق على توصيفه بفقه الحالة، أو التراث المعرفي الذي عُدَّ أنموذجاً فريداً في زمانه. وفي ظل معركة الفكر الإسلامي الراهنة تبدو ملامح أخرى لا يمكن إقصاؤها عن تفاصيل هذا الفكر الذي بات يستمرئ حالة الاستقرار رهن التصنيف والتبويب والتلميح والتصريح والاستيفاء، ومن ثم استلاب القارئ بعيداً عن واقعه واستقطابه صوب التنظير.
وأبرز تلك الملامح التي تعتري معركة الفكر الإسلامي ـ وليس خطابه ـ فرض حالة الإقامة الجبرية على الاجتهاد الصائب والمحمود الذي يستهدف صالح الإسلام والمسلمين. وهذه الإقامة تجاوزت حدود الاستخدام اللغوي التداولي لتصل ـ من غير اكتراث ـ إلى إصدار فتاوى غير محفزة، أو بالأحرى فتاوى من شأنها إحداث فتنة طائفية أو حرب أهلية بين أطياف سياسية قد لا تعي من أمر رشدها شيئاً. واستحالت فتاوى التحريض مرطبات للفكر الإسلامي المعاصر في وقت أصبحت فيه عبارات “تجديد الفكر الإسلامي” و“تطوير الخطاب الديني” شعارات باهتة مكرورة لأنها لا تتصل بواقع مشهود، ولا بحقيقة مجتمعية تفيد بفقر الثقافة وضعف القوة المعرفية لدى مجتمعات عربية كثيرة. وهذه الحالة تتعارض بالكلية مع المنهج الإسلامي في الإصلاح والتجديد، فباتت عملية استنهاض قوى التجديد خاوية واهنة.
وحالة الفكر الديني المعاصر تشبه ـ بقدر المقاربة والمشاكلة ـ ظاهرة الإنتروبيا. وهذا المصطلح (Entropy) يعني مقياس تحديد غموض الموقف، وهو مقياس وضعه الفيزيائي الألماني رودلف كلاوزيوس عام 1856م حينما كان يدرس ظاهرة استحالة انتقال الحرارة من جسم أكثر برودة إلى جسم أكثر سخونة. والإنتروبيا تعني أيضاً التحول إلى الداخل، أي الانطواء على الذات أو الموت الداخلي. وقد فسر علماء الفيزياء في الغرب قانون الإنتروبيا بأنها حركة عشوائية تمثل طاقة مهدرة ومشتتة في أي نظام.
ومن يسعَ لرصد الحالة التي تعترينا على مستوى الفكر والخطاب الديني المعاصر بوصفها صورة من صور الإنتروبيا، سيرى الجمود الفكري الذي يصيب بعضنا، بل قلّتنا احترازاً، إذ يقفون عند حدود فقه عصر معين ويرفضون رفضاً مطلقاً قبول فكرة الاجتهاد، رغم أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كان سابقاً لعصره، وكان رائد مدرسة الاجتهاد الفقهي.
وهذا العطب في استنهاض القوى المعرفية الدينية هو الذي أودى بحياة كثير من ضباط الشرطة الذين، من غير مبالغة، يسهرون من أجل رفاهية آخرين. لكننا مصرون على الوقوف عند فاصلة الرئيس المصري السابق حسني مبارك التي كرّست لثقافة شبه أمنية سقطت فعلاً حين اشتعلت انتفاضة يناير. وهذا الفقر المعرفي في الفكر الإسلامي هو الذي أصدر الفتوى بتحريم تهنئة الأقباط بميلاد السيد المسيح، الذي ورد ذكره في القرآن الذي لا يقرؤه هؤلاء المتطرفون بوعي أو دراية كافية: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين).
وصار التكفير والتحريم في هذه الآونة وجهين لعملة واحدة يمكن أن نطلق عليها “عملة الغلو”. ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو “الورطة”. وقد توعّد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) هؤلاء بقوله: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». أما اليوم فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه. وإذا كان التكفير قديماً سلاحاً خفياً يستخدمه بعض المتطرفين ضد خصومهم، فقد أصبح اليوم أداة هجومية تُستخدم قبل الحوار وأثناءه وبعده، هذا إن وُجد الحوار أصلاً.
ولو سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لقال لك: إن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتِه وعواقبه الوخيمة. وليدرك هؤلاء قول الله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. والمتأمل لهذا الأمر يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم، ومنع التوارث، وفسخ عقد الزواج، وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حين أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيين إماماً لهم، إذ يقول: «فليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة وتُزال الشبهة».
وانظر إلى رأي الشيخ عبدالرحمن السديس، إمام وخطيب الحرم المكي عام 2004م، حين أكد وجوب التفريق بين الفعل والفاعل، والإطلاق والتعيين، وتنزيل النصوص على الوقائع والأشخاص، وأن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والفسق ونحو ذلك لا تستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع. وحتى أنصار الفكر الوهابي ربما تناسوا قول إمامهم محمد بن عبدالوهاب "ولا نُكفِّر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم".
واستسهال رمي الناس بالكفر والشرك والخروج من الملة يذكرني بقصة طريفة: جاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن دم البعوضة وحرمة قتل الذباب، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله!
وأجمع المفكرون على أن خطورة الفكر التكفيري تتمثل في إحداث حالة من الانفصام والانقسام والتمييز داخل المجتمع الواحد. وهم بذلك أعداء للتنمية والتطوير والتجديد. وأعتقد أن المجتمع قد كفاه ما يعانيه من تمييز واستبعاد اجتماعي لبعض أفراده. ولا بد من منهج واضح لمواجهة هذا الفكر، وإيجاد مناعة حقيقية لدى المجتمع ضد الصيحات التكفيرية، ومراجعة بعض كتب التراث التي تغذي الفكر التكفيري وتنقيتها.
ومن أبرز العلامات الملازمة لأزمة الفكر الإسلامي الراهنة محاربة التأويل. والتأويل لم يعد حقاً يطلبه الإنسان، بل صار فريضة يؤديها ليلَ نهارَ على كل سلوكياته وقيمه وأفكاره، هذا إن كان يفكر أصلاً، أو يقرأ إن كان يقرأ! وصار التأويل ـ بدلاً من كونه حقاً مكتسباً ـ شهوة موروثة بذريعة أن صحة التأويل مرجعها الإجماع المطلق.
واتفق العلماء على ضرورة التأويل في المواضع التي تثير الشبهات فقط، مما يجعل الناظر في قضية التأويل ملتبساً بعض الشيء: كيف يحكم رجال الدين بأمر لم يتفقوا عليه إجماعاً مطلقاً؟ ويذكرني هذا بما صنعه حجة الإسلام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة حين كفّر الفارابي وابن سينا لأنهما خرقا الإجماع في التأويل، رغم أنهما من أهل الإجماع! وهما قد أكدا أن التربية يجب أن تهتم بالإنسان في أبعاده الروحية والعقلية والجسمية، وغرس الفضائل والعادات السليمة.
إذن، قضية التأويل ليست حديثة العهد، بل ضاربة في جذور الثقافة العربية. وقد صارع مفكرون كثيرون لإثبات هذا الحق. ولو سألت أحد من احتكروا حق التأويل عن شروطه لأسهب لك في عبارات عامة. ولو بذل واحد منهم جهداً بسيطاً في قراءة كتاب مثل مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد لانتقل بعقله أولاً ثم بعقول شبابنا إلى آفاق أوسع. فقد حدد ابن رشد شروطاً للقائم بالتأويل، أبرزها أن يكون من أهل النظر البرهاني القائم على مقدمات يقينية لا مجرد المشهورات بين الناس. وانتهى إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد التأويل وتحث عليه، لأن النظر في الموجودات يدل على صانعها.
ونرى علماء كباراً كالرازي والآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري يؤكدون أن الأمة إذا اختلفت في تأويل آية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف الأحكام التي اتُّفق فيها على قولين. وهكذا كانت سماحتهم ووعيهم بالتأويل وقبولهم الرأي الآخر ما لم يخالف الشرع.
وخلاصة القول: إن التأويل ـ والحمد لله ـ لم يعد حقاً يُطالب به جميع الناس، فقد صار مشاعاً، لكن فئة من العلماء ـ أصحاب العقول الراجحة ـ اغتصبوا هذا الحق لهم وحدهم، وتركوا الناس بين خيارين: إما الصمت خوفاً على ما تبقى من الهيبة الثقافية، وإما تجاهل ما يُقال، أو تقبله كما تَشرب الإبل الماء. فاللهم لا تجعلنا إبلاً تُورد إلى الماء قسراً وكراهية.