الفنان التشكيلي سعد القصّاب يقرأ تحوّلات الحساسية الجمالية المعاصرة
يقترح كتاب "السريع، العابر، المتشظي.. مقاربة نقدية في الجمالية المعاصرة" للفنان التشكيلي العراقي سعد القصّاب قراءة معمّقة لتحوّلات الحساسية الجمالية المعاصرة، وما أصاب فعل النظر من اضطراب تحت ضغط السرعة والعبور وتكاثر الصور. لا يتوقف الكتاب عند وصف ظواهر الحداثة المتأخرة فحسب، بل يتتبّع، بوعي نقدي يقظ، كيف غيّرت الميديا الجديدة علاقة الإنسان بالمرئي، وكيف باتت الصورة أسبق من الشيء، والتمثيل أقوى حضوراً من الأصل. وفي هذا الأفق، يستعين المؤلف بقراءات فلسفية رصينة تمتدّ من ميرلو-بونتي وغادمير إلى نيتشه وبنيامين، ليكشف من خلالها أن التحوّل لم يعد ظاهرة جمالية فحسب، بل بنية معرفية جديدة تُعيد تشكيل الذائقة والوعي معاً.
ويتوغل الكتاب الصادر عن دار خطوط وظلال في أثر التقنية على أفول "الهالة" والأصالة في العمل الفني كما ناقشها بنيامين وتوسّع فيها جيمينز، قبل أن يعاين الانزياح الكبير الذي نقل الفن من محاكاة الطبيعة إلى الاندراج في التجربة التقنية والاستهلاكية. وفي النهاية، يقدّم الكتاب رؤية صريحة ترى في الفن اليوم شاهداً حيّاً على التحوّل الحضاري العميق الذي يعيد صياغة علاقتنا بالعالم، وبأنفسنا، وبما نظنه جمالاً.
يتأمل القصّاب التحوّلات الجمالية المبثوثة في عمق الحياة المعاصرة، في نظر الإنسان، وفي إحساسه بالمكان والزمن، وفي علاقته بالصورة التي باتت اليوم أكثر حضوراً من الأشياء نفسها. فالقصّاب ينظر إلى هذا الانقلاب الكوني لا بوصفه ظاهرة سطحية، بل بوصفه تحوّلاً يمسّ جوهر الوجود الإنساني، ويعيد تشكيل وعينا بطريقة قد لا ننتبه إليها إلا بعد أن نغدو جزءاً منها.
لم تعد الأشياء في عالمنا تُرى كما كانت تُرى، ولم يعد فعل النظر بريئاً أو مباشراً. فالعين المعاصرة أصبحت عيناً محاصرة بما لا يحصى من الصور: صور تتدفّق بلا توقف، ولقطات تتزاحم على الوعي، وومضات بصرية تتوالى بغير ترتيب، مشكّلة طبقات كثيفة تحجب الواقع أكثر مما تكشفه. وفي هذا السياق، يشير القصّاب في كتابه إلى أن السرعة لم تعد عرضاً من أعراض الحياة الحديثة، بل صارت هي بنيتها الأساسية، وبات العبور السريع هو شكل الوجود الأكثر بروزاً. فمن خلال هذا الإيقاع اللاهث، يتشكل إدراك الإنسان بطريقة تجعل من الصعوبة القبض على المعنى، أو بناء رؤية مستقرة، أو حتى تكوين علاقة متوازنة مع العالم. وكأن العين فقدت القدرة على التوقف، على التأمل البطيء الذي كان يمنح الأشياء عمقها.
إنّ التشظّي، الذي يصفه القصّاب بحدة ووعي فلسفي، لم يعد صفة تخصّ الصورة وحدها، بل صار سمة تخصّ الوجود ذاته. فالمعنى يتشظّى مثلما تتشظّى الصورة؛ والهوية تتشظّى مثلما تتشظّى العلاقات؛ والوعي يتشظّى مثلما تتشظّى التجربة. هذا التشظّي لا يُعدّ نقصاناً فحسب، بل هو حالة جديدة للعالم، تتكوّن من تفتت المستويات التي كان الإنسان يعتمد عليها سابقاً لقراءة الواقع. فالعصر الذي نعيش فيه يقدّم نفسه كمشهد متحرّك بلا مركز، كمزيج من الطبقات المتداخلة التي لا يمكن ترتيبها في تسلسل واحد أو تفسير واحد. ولذلك، فإن محاولة فهم العالم تستدعي أساليب معرفية مختلفة، مثل تلك التي يتبناها القصّاب حين يقارب البصرية المعاصرة بوصفها ظاهرة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الظاهر والسريع والعابر.
ومع كل هذا التحوّل، ظل الفن مرآة حسّاسة، بل وربما الأكثر حساسية، أمام تغيّر العالم. فالفنان، كما يرى القصّاب، لم يعد ينظر إلى الطبيعة باعتبارها المرجع الأول للمعنى، أو بوصفها المصدر الأول للجمال. فالطبيعة نفسها صارت تتراجع أمام عالم مصنوع، عالم من الشاشات والأدوات والتقنيات، عالم صُمّم لكي يكون مرئياً أكثر من كونه موجوداً. ومن هنا، فإن الفن المعاصر لم يعد يبحث عن الحقيقة في خارج التجربة الإنسانية الرقمية، بل يبحث عنها داخلها، في المفارقات والفراغات والارتباكات التي تخلقها الصورة حين تعيد إنتاج العالم وفق قوانينها الجديدة. وهذا ما يعطي الفن طابعاً مزدوجاً: فهو من جهة يصغي للتحولات، ومن جهة أخرى يعلّم الإنسان كيف ينظر من جديد، وكيف يفكّك الصورة التي تحيط به وتغريه وتستدرجه.
الكتاب لا يمنح القارئ مفاتيح جاهزة لفهم العالم، بل يمنحه حساسية جديدة، عيناً جديدة، وعلاقة جديدة بالمرئي
يعود القصّاب، وفي تحليله الجمالي، إلى مقولات فلسفية مهمة مثل ميرلو-بونتي، الذي يرى أن الرؤية ليست عملية ميكانيكية، بل مشاركة وجودية بين الإنسان والعالم، وأن العين ليست أداة بقدر ما هي فعل وجودي يقوم على تداخل الجسد مع المحيط. هذا التصور، الذي يلمسه القارئ في قراءة القصّاب، يجعل الصورة فعلاً مزدوجاً: فهي "شيء" يراه الإنسان، لكنها في الوقت نفسه "طريقة" يُعاد بها تشكيل وعي الإنسان. أما والتر بنيامين، الذي يحضر في تحليل القصّاب، فيقدّم بعداً آخر حين يتحدث عن انحسار "الهالة" في العمل الفني بعد دخول التقنية. فالعمل الفني، الذي كان في الماضي يتمتع بفرادة لا يمكن استنساخها، صار اليوم متاحاً للجميع، وقابلاً لإعادة إنتاجٍ لا نهائية، مما أدى إلى تغيير جذري في علاقة الإنسان بالفن، وفي طبيعة التلقي، وفي معنى الأصل والنسخة، وفي وظيفة الجمال داخل المجتمع.
إنّ القصّاب يرى أن فقدان الهالة لا يعني فقدان القيمة، بل يعني تحوّل القيمة نفسها. فالفن اليوم، رغم انتشار النسخ، لا يزال قادراً على خلق أثر مختلف، لأنه لم يعد يعتمد على الفرادة المادية، بل بات يعتمد على التجربة، على الحدث الفني، وعلى السياق الذي يتكوّن فيه العمل. وهذه النظرة تجعل من العمل الفني شيئاً حياً، قابلاً للتجدّد، وللتأويل المستمر، ولأن يكون جزءاً من حياة الإنسان، لا مجرد قطعة نادرة في مكان مغلق.
وليس الفن وحده ما تغيّر، بل الإنسان نفسه تغيّر أيضاً. فالقصّاب يلمّح في أكثر من موضع إلى أن الإنسان لم يعد كما كان؛ هو ذاته بات صورة، بات يعيش داخل فضاء بصري يحاصره من كل الجهات، حتى صارت الهوية نفسها في كثير من الأحيان مبنية على "الظهور"، لا على الوجود. صار الإنسان مرئياً قبل أن يكون حاضراً، وصارت قيمته تُقاس بما يظهره لا بما يفعله، وبما ينشره لا بما يعيشه. وهذا التحول، الذي يبدو في ظاهره بسيطاً، يحمل في حقيقته خطراً وجودياً، لأنه يحوّل الإنسان من كائن له عمق إلى كائن ذي سطح لامع، يلمع كما تلمع الشاشات، ويختفي كما تختفي الصور عند أول تحديث.
ومع ذلك، لا يقدّم سعد القصّاب رؤية تشاؤمية، بل يقدّم رؤية نقدية تستبطن أملاً حقيقياً. فبالنسبة إليه، يمكن للنظر أن يكون فعل مقاومة، يمكن للصورة أن تكون بؤرة تأمل، ويمكن للفن أن يكون وسيلة لإعادة اكتشاف الذات. إن الإنسان، رغم هذا العالم الذي يبتلعه، لا يزال قادراً على إعادة بناء علاقته بالمرئي، إذا امتلك القدرة على التوقف، والدهشة، والتأمل. ولذلك، فإن القصّاب يلمّح في نصه إلى ضرورة إعادة إحياء فعل النظر، لا بوصفه مجرد وظيفة حسية، بل بوصفه إمكانية للانتباه، للوعي، وللتجدد.
إن العرض الذي يقدّمه المؤلف ليس مجرد تحليل نظري، بل هو محاولة لاستعادة الإنسان في عالم يتسارع من حوله. فالقصّاب، من خلال تأملاته، يدعو القارئ إلى أن يرى العالم على نحو مختلف، إلى أن يعيد اكتشاف التفاصيل الصغيرة التي يخفيها الضجيج البصري، إلى أن يبحث عن المعنى داخل الفراغات التي تتركها التكنولوجيا في تجربتنا اليومية. ويبدو أن هذا هو جوهر رسالته: أن نبطئ، ولو قليلاً، في مواجهة السرعة؛ أن نتأمل، ولو للحظة، في مواجهة العبور؛ وأن نعيد جمع شتات الوعي في مواجهة التشظّي.
ومع أن القصّاب يستخدم تحليلات فلسفية معقدة، إلا أن هدفه الأعمق إنساني وبسيط في جوهره: أن يستعيد الإنسان حقيقته داخل عالم يهدده بأن يتحول إلى صدى، إلى ظل، إلى صورة بلا عمق. فالمطلوب ليس الهروب من العالم، بل فهمه، وإعادة ترتيب علاقتنا معه، وإعادة اكتشاف ما يمكن أن يجعل الوجود أكثر قابلية للعيش. وربما كانت هذه هي القيمة الكبرى لهذا الكتاب: أنه لا يمنح القارئ مفاتيح جاهزة لفهم العالم، بل يمنحه حساسية جديدة، عيناً جديدة، وعلاقة جديدة بالمرئي.
وفي كل مرة يذكر فيها القصّاب "العين"، أو "النظر"، أو "الصورة"، فإنما يفعل ذلك ليشير إلى أن الإنسان لا يزال يمتلك القدرة على تجاوز هذا الطوفان البصري، ليس بالقوة، بل بالوعي. فالنظرة التي تستعيد دهشتها هي مقاومة، والنظرة التي لا تقف عند السطح هي انتصار صغير على التشظّي، والنظرة التي تحاول اكتشاف العالم من جديد هي بداية علاقة مختلفة مع كل ما حولنا.