الفن آداة مقاومة في 'الأرض الجريحة'

صالح بنحميد يجعل من الخزف أداة مقاومة وسجلاً لذاكرة الألم الفلسطيني، محولا أعماله في معارضه إلى رؤية إنسانية ثورية تتجاوز حدود الجمال الكلاسيكي لتجسد واقع الدمار في غزة.

يتخذ الفنان التشكيلي التونسي الدكتور صالح بنحميد، من مأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته اليومية فوق أرضه كموضوع لمشروع فني بدأه بمعرضه "إبادة"، وتبعه بمعرضه الأخير "الأرض الجريحة".

المعرض الأخير لصالح بنحميد، والذي أقيم أخيراً في دار الثقافة بنابل، احتوى على ستة عشر عملاً فنياً، تنوّع ما بين منحوتات خزفية وتنصيبات تشكيلية، جاءت امتدادً لما جاء في معرضه السابق "إبادة" مستكملاً بذلك مشروعه الفني الذي يستحضر فيه معاناة الفلسطينيين، وما يتعرضون له من قتل وتدمير وتشريد على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

وحول معرضه الجديد يقول الفنان الدكتور صالح بنحميد، إنه وجد في مأساة فلسطين مصدر إلهام للكثير من أعماله التشكيلية، وأنه يرى فيما يستخدمه من خامات أنها ليست مادة خام، بل هي مقياس للضمير والوطني والإنساني.

واعتبر بنحميد – الحاصل على درجة الدكتوراة في تقنيات الفن من جامعة قرطاج - أن القضية الفلسطينية هي هاجس أبدي بالنسبة للفنان المعاصر الذي تجاوز دوره رسم لوحة أو نحت عمل فني وتقديمه للجمهور، حيث تجاوز تلك الحدود ليصبح آداة مقاومة.

ووصف الأعمال التي قدمها في معرضه الشخصي "الأرض الجريحة"، ومعرضه السابق "إبادة"، بأنها تجربة تتجاوز التجسيد والمحاكاة لمعاناة الفلسطينيين، وتقدم رؤية إنسانية ناقدة تحررت من قيود المحاكاة وتجاوزت حدود التعبير، وأصبحت آداة للمقاومة ووسيلة لتمرير المواقف الإنسانية للفنان تجاه ما يجري من فظائع على أرض فلسطين. وتجاه كلّ ما يسود عصره من ظواهر معيبة فيهدف إلى إيجاد حلول عمليّة لتدابير محددة وإصلاح جذري أو حتى تغيير ثوريّ.

وهكذا مثّلت الحرب في فلسطين الهاجس الأبدي للفنان التشكيلي التُّونسي الدّكتور صالح بنحميد، حيث قدّم أعمالاً فنّيّة وإبداعيّة خزفيّة تُخلَّدَ عكست وعي الفنّان التّشكيلي المُعاصر وتفاعله مع قضايا عصره، فتتحرّر الممارسة التَّشكيليّة من قيود المحاكاة وحدود التعبير، ليصبح المنتج الفني التشكيلي قائما على إنتاج الأفكار ومباشرة أوضاع المجتمعات.

وبجانب قيام صالح بنحميد بتقديم أفكار تُعبر عن مجتمعه أثناء إنتاجه للعمل التّشكيلي، صار يلعب دوراً هاما في ثقافة المجتمع، حيث يقدم تصورات ضمن أعمال فنيّة حيّة تطل على أبعاد سوسيو ثقافية، بالأساس لها علاقة واضحة مع الحياة المجتمعية في غزة. حيث التزم بالقضيّة المركزية للأمة العربيّة وهي القضيّة الفلسطينيّة، وحاول من خلال أعماله الفنيّة رصد هموم الشعب الفلسطيني وانكساراته، حيث نقد الحرب ومخلفاتها بمنجزات خزفيّة متفرّدة من حيث تصّورها التّقني ومبتغاها الموضوعي، فكانت جلّ أعماله الخزفيّة جريئة لم يلتزم فيها بالمعايير الجماليّة المألوفة والمرتهنة للغة الجميل بل كانت بمثابة البحث في المشوّه، الجريح والمنكسر والبعيد عن كل المعاير الجماليّة الكلاسيكيّة. إذ قام بتشكيل خزفا أثرت فيه الهموم، الدمار والإبادة الّتي خلفتها الحرب في غزّة.

وبنظرة نقديّة عميقة وبنفس ثوري ومقاوم، قام هذا الفنان الشاب بتعرية واقع الحرب وما خلفته من مأساة،  حاول طرحها برؤية إنسانيّة وواقعيّة ومن أهمّ هذه الأعمال، "أهوال الحرب"، "الأرض الجريحة"،  "دمار" "الأم الفلسطينية"، "أشلاء" كلها أعمال إبداعيّة تُؤرّخ للحرب، وتوثّق لما جرى على هامشها من أحداث بكلّ تفاصيلها.

فجعل من ممارسته الفنية المعاصرة سجلاْ لذاكرة مقاومة لا تنسى، وجسرا يربط بين المحتل والأرض المنتظرة، فمن خلال هذه الممارس يؤكد الفنان الشاب أن الفن العربي لن يكون مكتملاْ ولن يكون صادقْا  إن لم يكن صوتْا صارخْا لحق الشعب الفلسطيني.