القمة العالمية للحكومات ترسخ دبي منصة لصناعة مستقبل الحوكمة
دبي - شهدت إمارة دبي الثلاثاء انطلاقة استثنائية لأعمال القمة العالمية للحكومات تحت شعار "استشراف حكومات المستقبل"، في حدث دولي رسّخ مكانة دبي منصةً عالميةً لصناعة الأفكار والسياسات العامة، وجمع أكثر من 60 رئيس دولة ورئيس حكومة من 150 دولة، إضافة إلى قادة منظمات دولية وخبراء اقتصاد وتقنية وصنّاع قرار من مختلف القارات. ولم تعد القمة، كما عكست جلسات يومها الأول، ليس مجرد ملتقى للنقاش، بل تحوّلت إلى مختبر عملي لتجريب الحلول واستباق التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل العالم.
وفي كلمته الافتتاحية أكد محمد القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء ورئيس مؤسسة القمة العالمية للحكومات، أن القمة وُجدت لتكون مساحة مفتوحة أمام الحكومات لإعادة التفكير في أدواتها ونماذج عملها، مشددا على أن التحدي الحقيقي لم يعد في تشخيص الأزمات، بل في امتلاك الجرأة على الابتكار وصناعة المستقبل.
وأوضح القرقاوي أن العالم يعيش مرحلة تحولات غير مسبوقة، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا، ما يفرض على الحكومات أن تتجاوز الحلول التقليدية نحو نماذج حوكمة أكثر مرونة واستباقية، مشيرا إلى أن تجربة دولة الإمارات في تحويل الاستشراف إلى نهج مؤسسي تمثل مثالا عملياً على قدرة الحكومات على الانتقال من إدارة الحاضر إلى تصميم الغد.
وجاءت كلمات المشاركين لتدعم هذا التوجه، حيث ركزت الجلسات الأولى على ضرورة التكيف مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، وعلى رأسها التغير في موازين القوة العالمية، وتسارع الثورة الرقمية، وتداعيات الأزمات المتلاحقة على استقرار الدول.
وفي هذا السياق، شددت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، على أن النموذج الإماراتي بات مرجعاً في استباق المستقبل، معتبرة أن الدولة نجحت في بناء بيئة تشريعية وبنية تحتية مكنتها من التحول إلى مركز عالمي متسارع للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، موضحة أن هذا التوجه لا ينعكس فقط على الأداء الاقتصادي، بل يعزز قدرة الحكومات على تحسين الخدمات العامة ورفع كفاءة إدارة الموارد.
ومن خلال متابعة مجريات اليوم الأول، يتبين أن القمة تجاوزت مرحلة النقاش النظري حول التكنولوجيا، وانتقلت إلى مرحلة أعمق تتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة سيادية للدول، فقد شهدت الجلسات حضوراً لافتاً لخبراء التقنية إلى جانب رؤساء الحكومات، في إشارة واضحة إلى أن القوة في عام 2026 لم تعد تقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية التقليدية، بل بمدى قدرة الحكومات على دمج الحلول الرقمية في منظوماتها الإدارية والخدمية، وتحويل البيانات إلى قرارات، والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة.
وفي هذا الإطار، أكد عدد من المتحدثين أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة حتمية لإعادة تصميم الخدمات العامة، وتعزيز الشفافية، وتحقيق الاستدامة المالية والبيئية. وبرزت تجارب دولية عرضت نماذج عملية لاستخدام الخوارزميات في التخطيط الحضري وإدارة الموارد وتطوير التعليم والرعاية الصحية، ما يعكس تحوّل القمة إلى منصة لتبادل الخبرات التطبيقية لا الاكتفاء بالشعارات.
كما أظهرت النقاشات أن الإمارات نجحت في تحويل مفهوم "الاستشراف" إلى ممارسة مؤسسية، تمنحها ثقلاً دبلوماسياً متزايداً، يمكنها من قيادة حوارات عالمية حول قضايا شائكة، مثل ما بعد قمم المناخ، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، والتوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
وأجمع المشاركون على أن التحديات الكونية من تغير المناخ إلى الأوبئة والأزمات الاقتصادية، لا يمكن مواجهتها إلا عبر شراكات عابرة للحدود، تقوم على تبادل المعرفة وتكامل الأدوار.
واختُتمت فعاليات اليوم الأول بإجماع دولي على أن مستقبل الحكومات سيُبنى على التعاون لا التنافس وعلى الابتكار لا الجمود وعلى الرؤية بعيدة المدى لا الحلول الآنية. وفي هذا المشهد، بدت دبي مرة أخرى نقطة التقاء عالمية، لا تكتفي باستضافة النقاش، بل تسهم في صياغة الأسئلة الكبرى حول شكل العالم القادم، ودور الحكومات في صناعته.




