الكتابة بين قصديّة السّرد المفتون بذاته وأهميّة الخطاب الرّوائي في 'نساء هيبو وليال عشر'

رواية حفيظة قارة بيبان توظف تقنية الميتاسرد لتجعل من الكتابة موضوعًا للحكاية ذاتها، في تقاطع بين الواقع والتخييل يعكس وعيا ما بعد حداثيًا بالسرد والذات.

التّمهــــيــد

يقتضينا الدّخول إلى أسرارهذا العمل الإبداعي الّذي نحن بصدده، أن نطرح باستمرارالسؤال التّالي كيف يكتب الرّوائي أو الرّوائيّة  الرواية؟ في ظلّ هذا الاحتفاء  بإنجازات السّرد العربي، سنسعى إلى فحص أحد مظاهر تجلّياته مابعد الحداثية. ونعني به مظهر السّرد المفتون بذاته، أي المظهر الميتاسردي فيه. من هنا نتبيّن أنّ حفيظة قارة بيبان   في روايتها "نساء هيبو وليال عشر"  الّتي صدرت عن دارالأمينة للنّشر والتّوزيع في طبعتها الأولى بتاريخ سنة(2024) قد نهجت نمط السّرد المفتون بذاته وهو مصطلح يحمل نفس دلالات، الانعكاسيّة الذّاتيّة أو الميتاسرد أو الميتاقص أو الميتا فكشن (metafiction)  أو الرواية النرجسيّة (فاضل ثامر)، وهي كلّها مسمّيات حاول من خلالها النّقاد إيجاد صيغة عربية لمفهوم جديد قديم. وتعني حسب الفيلسوف والنّاقد العراقي رسول محمد رسول "احتفاء الكتابة الرّوائيّة بذاتها وتعني أيضا الرّواية التّالية أوالرّواية الثانية أو الحكاية التحتيّة الّتي تظهر داخل الرّواية الّتي تحمل عنوانا واسما لمؤلّف ما. هووجود إبدعي متخيّل ممهور. وقد تحوّلت كينونته المحضة أوالأساسيّة إلى موضوعة حكائيّة كالقصص والرّوايات والمسرحيّات"(من ملخص لمقال السّرد المفتون بذاته في الكتابة الرّوائيّة 12 نوفمبر2012بموقع مركزالاتّحاد للأخبار) وهو خرق مقصود لعمود الكتابة الرّوائيّة الحديثة الّذي أعلنه آباء الرواية الأوروبيّة منذ سبعينات القرن الماضي ووجد هذا اللّون من التّجريب طريقه إلى فضاء البنية السّرديّة في أدبنا الرّوائي القصصي.         

لم تبتدع حفيظة قارة بيبان هذا النّمط من الكتابة وإنّما هو مصطلح  ظهر سنة 1925 في مقال عن الرواية  لجورج دوهاميل   (Gorge Duhamel) (1884-1966)    ثمّ تلاه جيرار جونات في كتابة"خطاب الحكاية"  عام 1967. أمّا في الثقافة العربيّة فظهر متأخرا اشتغل عليه كلّ من صلاح الدين بوجاه وفاضل ثامر وسعيد يقطين  وأحمد خريس وغيرهم  وقد ظهر في الثقافة العربية منذ ثلاثينات القرن الماضي في مسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم 1934 وفي رواية "صراخ في ليل طويل" لجبرا إبراهيم جبرا1955 وفي"الشّحّاذ " لتوفيق الحكيم 1965    وفي"الوقائع الغريبة" 1974. لإميل حبيبي.  وشهدت مرحلة الثمانينات من القرن الماضي توسّعا كبيرا في الكتابة بهذا النّمط.  وإنّ عددا من الرّوايات الفائزة بجائزة البوكر تتمتع بهذه الخاصيّة  في الكتابة ومنها رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي ورواية فرانكشتاين في بغداد لأحمد سعداوي. (125 رواية حتّى عام 2012كتبها مؤلّفوها بنمط السّرد المفتون)

 ويعدّ الميتاقص أوالسّرد المفتون بذاته، من أهمّ التّقانات السّردية حضورا واهتماما من قبل النّقّاد والكتّاب. وهو ما جعل الفيلسوفة الإيطالية دينا دريفوس   (Dina Dreyfus) تلاحظ أنّ الرّواية المعاصرة تنحو لأن تصير رواية عن الرّواية (أو بتعبير أفضل رواية تعكس ذاتها) وتدمج في دائرة تشكيلها (التّفكير في الرّواية ومسألة الرّواية). وهذه التّقانة تجعل النّص منعكسا على ذاته وحاكيا بها بدل أن يحكي الواقع. 


 

السّرد المفتون  بذاته  في الرّواية: (الدّوافع والخصائص والدلالات) 

لئن كان هذا التوجّه أي "السرد المفتون بذاته"   يضع هذه الرواية في موقع التّجريب السّردي الحداثي والمابعد حداثي، فإنّه من ناحية أخرى يطرح العديد من التّساؤلات، هل  أنّ فعل الكتابة على الكتابة يعني أنّ الكاتب سئم التعبير عن الواقع فلجأ إلى التّخييل؟ أم أنّ هذا التّوجّه يجعل الكتابة أكثر انغماسا في التّعبير عن ذاتها؟ أم أنّ انخراط الكاتب في التّجريب  لا يمنحه الحقّ في الحكم والتّوصيف؟ 

دوافع حضوره : 

  • دوافع موضوعية

لا سبيل إلى إنكار أنّ حفيظة قارة بيبان، قد أدركت أنّ الانخراط في الكتابة ما بعد حداثية ضرورة حتّمتها توجّهات عصر العولمة، في أسمى تجلّياته التكنولوجية، الّتي تقوم على الاختلاف والتّعدّد والتّفكيك والتّنوّع. وتفطّنت أيضا إلى أنّ تطوير هذه الكتابة السّردية بالأساس يسير بطريقة جدلية في علاقة مع القارئ الّذي أضحى بدوره قارئا من صنيعة هذا العصر، تشكّله طينة مغايرة وكان لابدّ من ردّة فعل استباقيّة تواكب تعدّد أذواق القرّاء المتجدّدة باستمرار. 

 في ظلّ هذا الواقع، كان لابدّ من التّخلّص من هيمنة السّرديات الكبرى وخطاباتها عليه. وكان لزاما على الروائيّة باعتبارها مبدعة في عالم الكتابة، أن تساهم كغيرها في مجال التّجريب الرّوائي، إيمانا منها بأهميّته ودوره في تطوير الكتابة السّردية خاصّة. فارتأت أن تندمج في تسريد عالمها الحكائي. ولكنّها أبت إلّا أن توائم بينه وبين العالم الواقعي، ولم تتوخّ هذا التّوجّه وفق إجراءات كلّية. مثلما تجسّد في رواية " غرفة الذكريات" للروائي الجزائري "البشير المفتي"  

يبدو أيضا أنّ الوعي بأهميّة السّرد المفتون عند حفيظة قارة بيبان كان دافعا مهمّا وراء ممارستها لهذه اللعبة السّردية في هذه الكتابة الرّوائيّة المخصوصة. لقد أيقنت المؤلّفة أنّ الواقع المرجعي، ليس إلّا واقعا ممكنا ومتعدّدا، لا يقوم على فكرة الحقيقة الّتي كانت تطرحها النّظرية التقليدية والّتي تقرّ بأنّ الحقيقة والمعنى يسبقان ويحدّدان التّمثيلات الّتي يعبران عنها وأنّ كلّ ادّعاء للحقيقة هو ادّعاء ميتافيزيقي حديث.(من أمثال هؤلاء الّذين يضعون الواقع والحقيقة في مصاف المفاهيم الماورائيّة: روب غرييه وليوتارد أو جون بارت). 

لا يمكن أن نعتبر إقرار المؤلّفة من خلال تصديرها الأول في نص نساء هيبو "إنّ أيّ تشابه بين شخصيات هذه الرّواية وشخصيات واقعيّة هو محض صدفة ومكر خيال" إقرارا تلقائيا  لا تعنيه حفيظة. بل هو اعتراف منها بأنّها تستعير الواقع ولا تصفه. وهي رافضة لمقولة"إنّ العالم قابل للمعرفة " The world Can Be known   "  ككلّ كتّاب الميتاسرد خاصّة. وقد اختارت الرّوائية معمارا خاصّا تشكّل به روايتها المنخرطة في الرّواية المابعد حداثية. وهي بهذا التّصدير تقرّ بأنّها  لم تقدّم وصفا للواقع بقدر ما قدّمت استعارات عنه من خلال شخصيات خيالية وحبكة خيالية وأحداث وأسماء مستعارة متجاوزة فكرة وعي العالم بشكل مطلق. فهي تكتب انطلاقا من "تخطيطات ذهنية". 

 بهذا تنطلق السّاردة في سردها باعتباره  قصّا واعيا بذاته لا يقوم بمحاكاة الواقع مباشرة إنّما يعي وجوده عبر تفنيد وعي بواقع ما.. الرواية فن لا يصف الواقع بل يختلقه" (أحمد خريس، العوالم الميتاقاصيّة في الرواية العربية، مكتبة بستان المعرفة للطباعة والنّشروالتّوزيع القاهرة، مصر، ط1 2002، صص36-38.)

  اقتنعت السّاردة أيضا أنّ واقع سنة2024 تاريخ إصدار رواية  "نساء هيبو" قد يتقاطع مع واقع سنة 2004 تاريخ صدور رواية "دروب الفرار" وكذلك مع واقع  سنة 2012  تاريخ إصدار رواية "العراء"  ولكنّها تبقى حكايات خيالية تنبثق من طاقة المبدع التخييلية وهي ليست حقائق أو معان ثابتة ومطلقة. هذه الرّوايات جميعها  لم تكن سوى فضاء حرّا احتفى فيه السّرد بذاته.

 شعرت السّاردة بأهميّة السّرد المفتون بذاته بوعي من أدرك أنّ الواقع هو عالم تخييلي مثل القصّ أو أكثر من هذا الواقع المرجعي، يشبه العالم المرجعي المادّي الفعلي بمعنى أنّ هناك عوالم ممكنة تتحدّث عنها السّرود التّخييليّة والحكائيّة.  إنّ الغوص في عوالم سناء المحامية المنشغلة دوما بتحقيق العدل والدفاع عن المظلوم ليست سوى غوص في عوالم شخصية خيالية من اختلاق المؤلّفة، وإن اعتقد القارئ أنّها واقعيّة. بل قد تكون بالنّسبة إليه حقيقة تنقلها صاحبة الأثر، وحتّى تبرهن على هذه الفرضية السّردية تجيز لنفسها  استدعاء "شرود" إلى عالم أحلام وهو واقع  سنة 2024 أي بعد عشرين سنة من صدور رواية "دروب الفرار".  وتشرّع أيضا حضور "دجلة العامري"، فتنقلها من رواية "العراء" إلى رواية "نساء هيبو".  فتقتحم هذه الشخصيات النّسائيّة الورقية فضاء الرّواية بتخطيط ذهني منظّم يقوم على وجاهة منطقية  فسناء تربطها بدجلة العامري علاقة الأمومة، والإيمان بأهميّة الإنسان وضرورة النّضال من أجل قيم العدل والحرّيّة  فتعيد نقل البدايات وترسم  ملامح واقع يتكرّر ويتجدّد في الآن نفسه "كبرت سناء قبل الأوان واختارت ،لا كدجلة، أن تكتب المظالم على الورق بل أن تدافع بالمحاماة عن المظالم" (ص158). أمّا أحلام فقد قرأت "دروب الفرار" بعد أن أهداها إيّاها زوجها. لقد نسجت المؤلّفة خيوط هذا الحضور المتناغم مع تلك الشخصيات الورقية بمنطق سردي لا يخلو من وجاهة.

  • دوافع ذاتيّة

 ولا يمكن أن نتغافل أيضا عمّا حقّقه هذا  الالتزام بهذه التقانة السردية من دور مهمّ في تحفيز السّاردة على تفنيد قوانين القصّ أو التعالي عليها. لقد وقعت السّاردة في أسر مرويّاتها السّابقة الّتي تتناص مع نص "نساء هيبو" فقدّمت نصّا جديدا مختلفا عن سابقتيها، برهنت فيه على تشكيل مهاراتها الكتابية باختلاق علاقات منسجمة مع شخصيات رواياتها الثلاث. وسخّرت كلّ الحيل الفنيّة لتحتفي بما سبق من كتابات سردية،  أثناء زمن كتابتها لنساء هيبو وليل عشر".                          

  نجد أنفسنا كقرّاء أمام حكاية كبرى تتخلّلها حكايات صغرى بدأتها في روايتيْها السّابقتيْن . لا نعلم أتكون "دروب الفرار" هي بداية الحكاية أم نعدّ  "نساء هيبو" هي منطلق البداية المعكوسة ومنها انطلقت حكاية شرود في "دروب الفرار" أم أنّ حكاية دجلة العامري في "العراء" هي المنطلق لهما جميعها؟ هل تعيد حفيظة ما نكتب ولكن بألوان جديدة ومغايرة؟  أليس استدعاؤها ل"شرود" من "دروب الفرار" هو إعادة تجسيد لنفس مصير أحلام "  تصنع السّاردة من شخصيات رواياتها مادة من صلصال مرن تشكّل به المادّة السّردية فتتداخل البنى المعرفيّة وينتج عنها السّرد المفتون بذاته. فتربك المتلقّي وتدفعه إلى التّساؤل "أي رابط يجمع بين شخصية في رواية سابقة بشخصية ماثلة أمامه  يقرؤها في رواية حاضرة؟ هل يصدّق هذا الوجود المفاجئ لدجلة أم  لشرود؟ كيف لشخصية ورقية أن تقتحم ثنايا هذه الرّواية؟  

ولا تنفكّ هذه الحيرة وهذا التّشتّت يتلبسان بالسّاردة ذاتها ويزدادان تضخّما، حين تفقد الأمل في الواقع وفي الكتابة وترتمي في أحضان الضّياع لا تجد غير البوح والتعرّي أمام ذات متعبة تصرّح فتقول: "تتداخل الحكايات ..تتداخل الرّسائل والكلمات.. تتداخل الفصول والأزمان يصخب البحر الهادر مخيفا في الخارج.. وإذا أنا أضيع.. أغرق.. أغرق في هدير الكلمات.. ما عادت تنجدني، أنا مؤلّفة الكلمات."(ص233)

 بهذا تنتقل السّاردة من وصف الواقع إلى وصف وصف الواقع أو بناء واقع بديل يقول مالكوم برادبري "الفنّ لا يصف الواقع بل يختلقه" ( مالكوم براد بري، الحداثة، ج2 ترجمة: مؤيد حسن فوزي، دار المأمون بغداد، ط1، 1990، ص123.)   فكيف افتتن هذا السرد  بذاته ؟ وهل كان فيه مجالا لحكي الواقع؟   

خصائصه  (الاستراتيجية والتّمثلات)  

  • حضور المؤلّف

أضحى السّرد في رواية "نساء هيبو وليال عشر" تيمة داخل الرّواية. تتمرّد به المؤلّفة على مقولة الرّوائيين الحداثيين الّتي تقرّ بطمس السّارد الرّوائي. فمارست هذه التقانة السردية (السّرد المفتون بذاته) بإحكام وبوعي ذاتي قصدي لفعل هذه الكتابة السّردية: "قرّرت أن أترك لك البداية وأن أبدأ الرّواية بصوتك المائج إلى السّماء.."ص(ص14)..وقد تجلّى هذا التّوجّه  محتلّا مواضع عديدة من الرّواية، بدءا من التّصدير، مرورا بثنايا صفحاتها، وصولا  في نهاية الرحلة السّردية إلى تلك ا"لورقة الطائشة الّتي رمتها المؤلّفة" (ص231). لم ترسم  السّاردة حدودا بين القصّ والميتاقص، بل يتداخل الأسلوبان عبر تقنية الاسترجاع  تارة على لسان السرّاد، فيتواتر معجم التّذكّر والذكريات:" تفاجئني الذاكرة../مالّذي يذكّرني../تذكّرني.." أو عبر أصداء هدير البحر أحيانا أخرى.  ونجد السّاردة  تستدعي المؤلّفة،  حين تفصح عن وجودها الحقيقي بين صفحات الرّواية ، أثناء استرجاع أحلام ابنة مريم مثلا فتقول "بعد قراءتي لرواية أهديتنيها ذات لقاء،"دروب الفرار" لروائيّة هيبودياريتيس كما كنت تقول "بنت البحر" (ص83).  أو حين تخاطب مريم حفيدها "قرأت لك يوما قصّته " الجبل الغريب في سلسلة حكايات بنت البحر، أتذكر؟"(ص228).  وتستمرّ السّاردة  في الحضور بضمير الغائب، تستدعي الشخصيات أو تنير عتمة أحد أغلفة روايتيْها"  تركتها كاتبة الرواية "بنت البحر" عند خروجها من مستشفى الأمراض العقلية "الرّازي مثخنة أدوية عائدة إلى مدينة "تتقن لعبة ابتلاع أبنائها والنوّاح عليهم بعد حين.. شرود ليست امرأة من خيال ابتدعتها كاتبة تونسيّة لقد سرقت بنت البحر حكايتها وجمّلتها بالأدب" (ص193)  تطلّ من رفوف المكتبة روايتها العراء تمتدّ إليها يدي. أتأملّ الأرض القاحلة المشقّقة على الغلاف .. كأنّي أشاهد الرّواية لأوّلّ مرّة.. من كتب العراء" (ص232) تنزع حفيظة كلّ الأقنعة  لتبرز نرجسيّة الكتابة السردية كما يسميها فاضل ثامر. فيعلو صوتها في صوت البحر"هكذا قرّرت أن أترك لك البداية، وأن أبدأ الرّواية، بصوتك المائج الصّاعد إلى السّماء، ناثر الزّبد، والشّهادة إلى الذّرى.." (ص14). لا تعبأ مؤلّفة "نساء هيبو" بذاك الّذي تحدّث عن "موت الرّواية" مواجهة إيّاه بكلّ تجلّد  واستمرّت مصمّمة على كتابة ماسمّي بــالرّواية المضادة" (Antinovel) مفاجئة القارئ منذ الاستهلال بالاعتراف بأنها ستكتب رواية الحكاية معلنة عن قصدية الالتزام بهذه التّقانة. فتصدّر الهمّ السّردي الواجهة الأمامية (Foregrouinding) للنّص الرّوائي مثلما تحتلّ اللّغة الواجهة الأمامية  في النّص الشعري."نتقاسم رواية الحكاية قد نختلف ونتخاصم" (ص14).  انطلقت السّاردة في الرّواية  من تصوّرات جديدة لعلاقة السّرد بالذّات وعلاقته بالواقع، ثمّ علاقة الذّات بالواقع وعلاقتهما بالتّاريخ، مستغلّة طاقة مغايرة  لتنطلق منها. بدأت بإعلانها عن رواية الحكاية على لسانها كساردة، قرّرت أن يرتفع صوتها،  مستردّة دور السّاردة العليمة، رغم اعترافها باختلاف الرؤى والمواقف، مواجهة القارئ المتماهي مع صوت البحر "قد نختلف  ونتخاصم، لكن قرّرت أن يرتفع صوت المؤلّفة، يراود صوت الشّاهد على نساء هيبودياريتيس، بعد الجريمة"(ص14) "هاأنا أكتب بصوتك من جديد روايتي للمرّة الثالثة"(ص14)  . 

إنّ الكتابة بآليّة السّرد المفتون بذاته قرار يعلن عنه الكاتب ذاته، مثلما أعلنت المؤلّفة عن حضورها  من خلال التصدير على لسان سناء "ولكن قرّرت أن يرتفع صوت المؤلّفة". (ص14)   تتضخّم الذات.  ويهيمن ضمير المتكلّم على السّرد.  فتصبح ذواتا تجسّدها كلّ من مريم وسناء وأحلام، متشابكة كلّها مع صوت هدير البحر، تصغي إلى ذات المؤلّفة.  وتحكي حكايات رواياتها الثّلاث عبر حوار مبتكر. يتلوّن، ويتواتر، ويتعدّد، ويتنافر، ويتناغم، وينسجم إمّا مونولوغا، أو مباشرا صريحا.  أو ثنائيّا. لطالما أتّخذ شكل الاسترجاع.  فتنقلب الرّواية  إلى جنس السيرة الذّاتيّة.

تعتمد ضمير المتكلّم،  مراوغة قرّاءها بإيهامهم بأنّها تكتب  سيرتها الذّاتيّة، أين عدّدت اللّيالي من ليلة 16 إلى 26ديسمبر من سنة،2016 مجسّدة دور السّارد العليم الّذي يتطفّل على شخصيات الرّواية لإكساب حضوره شرعيّة، بابتكار حكاية جديدة.  فتكشف المؤلّفة عن نرجسيّة الكتابة الميتاروائيّة "ووعيها بذاتها، ومحاولتها الهيمنة على الفضاء الرّوائي، لتكون هي المرجع الذّاتي الأساسي لعالم الرّواية"( فاضل ثامر، ميتاسرد ما بعد الحداثة، مجلّة الكوفة،السّنة1، العدد2، شتاء 2013.) .وهذا الصّوت الصّادح للمؤلفة ، أبى إلّا أن يكون متعدّدا سردا واسترجاعا متكلّما أو غائبا متخلّلا الحوارات أو السرد مشكلا حيلا سرديّة، حتّى يتخفّى وراءها. إنّه صوت حفيظة قارة بيبان،  مؤكّد أنّه ليس باستطاعة هذا التّعدد أن يلغي أو ينفي ما للسّارد العليم من حضور. وهو صوت لا يتبرأ من نفسه. ولايرى في حضوره ما يفقد انسجام المسار السّردي.

ولا يتعلّق السّرد المفتون بذاته بتنوّع حضور ذات المؤلف فقط . وإنّما يتأكّد أيضا بتواتر حضور شخصيات الرّوايات السّابقة.  حيث يلتبس الأمر على القارئ في الحكم عليها هل هي حقيقة أم متخيّلة، "خرجت من أوراق الرّواية هجرت المدينة .. قاطعت هيبو الآكلة أبناءها" (ص193) ويصل بها الأمر إلى جعل أحلام تلك الشخصية الورقية تستدعي بدورها شخصية شرود الورقية أيضا،" كاشفة حقيقتها اليوم انكشفت النّهاية صارخة .. شرود ليست امرأة من خيال ابتدعتها كاتبة تونسيّة. لقد سرقت بنت البحر حكايتها وجمّلتها بالأدب شرود الّتي أحببناها في دروب الفرار الحالمة الهشّة عاشقة النّغم.."(ص194)  لقد جعلت شخصيات رواية هيبو تعانق مثيلاتها في "دروب الفرار" و"العراء"، ناسجة حكاياتها المتداخلة المتشابكة.

 ويتّضح هذا الالتزام بهذه اللّعبة السّردية أيضا في إعادة نفس نهايات الروايات. "شرود تركتها لنا في النّهاية أمام بحر الصبا المهجور ..لنبقى على شوقنا لمعرفة باقي الحكاية وكيف انتهت قصّة شرود" (ص193) .  

 تورّط  الرّوائيّة القارئ،  بأن تشدّه إلى  رواياتها. ثمّ تتركه تائها باحثا عن باقي الحكاية" تركتها كاتبة الرواية بنت البحر عند خروجها من مستشفى الأمراض العقلية الرّازي... تركتها لنا في النهاية أمام بحر الصبا المهجور.. لنبقى على شوقنا لمعرفة باقي الحكاية وكيف انتهت قصّة شرود."(ص193)

و تستدعى السّاردة، المؤلّفة من خلال عناوين كتاباتها السّابقة  كاشفة عن أسماء الأبطال ( شرود، غسّان سلمان، دجلة العامري..).  تروي أحلام   تفاصيل حصولها على رواية دروب الفرار في مشهد استرجاعيّ، تخاطب فيه زوجها سعيد "أتذكر؟ بطلة الرّواية الّتي أهديتني يوما" "دروب الفرار" شرود عاشقة النّغم، المؤمنة بأنّ الحبّ يفتح كلّ الدروب"(ص193) ولا تنفكّ تمرّر مقاطع كاملة من روايتيْها  "دروب الفرار" و" العراء". 

تجمع  "نساء هيبو" بين الإبداع والنّقد. تستقي من الواقع شخصياتها ثمّ  تحملها عن طريق الكتابة إلى الرّواية فيتماهى الحقيقي  بالمتخيّل. وتوقع القارئ في ارتباك ويتورّط في متاهات التصديق والتّكذيب. "فتقدّم الرّواية نفسها بوصفها ابتكارات ذاتيّة الوعي مؤكّدة على أنّ كلّ شيء فنّي هو مجرّد إبداع تخييلي لا تأمل أن تعكس الواقع أو تقول الحقيقة لأنّ الواقع و الحقيقة هما ذاتهما عبارة عن تجريدات تخييليّة"(فاضل ثامر ميتاسرد مابعد الحداثة" ص25)  شرود ليست إلّا امرأة من خيال ابتدعتها كاتبة تونسيّة. ورواية العراء ليست إلّا حكاية دجلة العامري وغسّان سلمان وبنت البحر سارقة لحكايتهما. ورد ذلك على لسان سناء في الورقة الطائشة "هي دجلة العامري وغسّان سلمان فلم سرقت بنت البحر الحكاية؟ ورفعت اسمها على الغلاف؟"(ص232)  ويغمر مريم التيه وتبحث عن الحقيقة في الرّوايات فلا تظفر بالجواب اليقين" أين الحقيقة من كلّ ذلك؟ أين الخيال ..أم تراني أركض بالكلمات النّازفة في طريق أحلام، ليعصف بي انفصام يمزق العقل والرّوح يحيل حكايات هيبو إلى مرايا متكسّرة .."(ص234) 

مافتئت حفيظة بوصفها مبتدعة لهذا النّص السّردي تحدّد ماوراء القصّ، محتفيّة بذاتها المبدعة الّتي تجمّل ما تلتقطه من الواقع ولا تنقله كما هو. بل تعمل فيه معاول الأدب محقّقة عنصر التّشويق وديمومة الاسترسال في كتابة الرّواية"لقد سرقت بنت البحر حكاياتها وجمّلتها بالأدب"(ص193) وكأنّنا بحفيظة قارة بيبان تستجيب لما تقول باتريسيا واو(Patricia Waugh) مشيرة إلى هذه للّعبة السّردية بأنّها" كتابة رواية تلفت الانتباه بانتظام ووعي، إلى كونها صناعة بشرية .وذلك لتثير أسئلة عن العلاقة بين الرّواية والحقيقة"( (Patricia waugh Metafiction: The theory and Practice of self- conscious Fiction p2(1984))  

تفحص حفيظة، باعتبارها مؤلّفة هذه الرواية – وهي تمارس  لعبة السّرد المفتون بذاته- الأنساق التّخييليّة  وكيف ابتكرتها وحوّلت الواقع من خلال الافتراضات والأعراف السّرديّة . فألفتت الانتباه إلى عملها الفنّي "رواية لن تنساها الرّوح"(ص232). لا تفتأ  الكاتبة تتحدّث عن شرود ودجلة العامري على ألسنة شخصياتها فتدمج بين قتل الفنانة شهرزاد وقتل دروب " الّتي فرّت من دروب الفرار" وطارت من أسوار هيبو ليصبح اسمها شهرزاد وتتوّجع عازفة العود الأولى في قرطاج"(ص221) مؤكّدة بذلك أنّ الحقيقة الوحيدة بالنسبة إليها هي حقيقة خطابها نفسه لذا ينقلب تخييلها على نفسه محوّراعملية الكتابة إلى موضوع الكتابة "هكذا فإنّ مصداقيّة التّخييل الرّوائي يتدعّم ليس بوصفه تعليقا كاشفا عن الحياة ولكن بوصفه ماوراء التّعليق (Metacommentary) " (فاضل ثامر، ميتاسرد ما بعد الحداثة ، مجلّ الكوفة، السنة1، العدد2، 2013، ص81).

ولا يخلو هذا السّرد المفتون بذاته  من نقد لمسألة السّرقات الأدبيّة فلمّحت المؤلّفة إلى ما تعرّضت له  رواية "العراء" من سطو حين نشرت تحت اسم وهمي. ناقدة هذا الواقع الأدبي المتردّي المتّسم بالادّعاءت والبطولات الإبداعية الزّائفة. نسجت الكاتبة  السّاردة مشهدا متخيّلا،  يؤكّد ما يصيب الكتّاب الحقيقيين  من سلب وانتهاك لحقوقهم  من قبل أصحاب الأخيلة الجافة.  فينجحون في طمس جهودهم.  وقد يصل الأمر أحيانا إلى تجاهل القرّاء لهم. بل ويبلغ بهم الأمر إلى إدانتهم.  سناء قارئة رواية" العراء" أصابها الذهول حين علا الغلاف اسم الكاتبة الحقيقيّة "بنت البحر" لذياع صيت الرواية باسم مستعار "كأنّي أشاهد الرّواية لأوّل مرّة..من كتب العراء؟ هي دجلة العامري وغسّان سلمان فلم سرقت بنت البحر الحكاية؟ ورفعت اسمها على الغلاف؟ (ص232) . من هذا المنطلق تدخل الرّوائيّة في صميم اللّعبة  السّرديّة ذاتها، كاشفة عن همّ إبداعي ووعي ذاتي بقضايا السّرد المفتون بذاته. فتطرح الكاتبة مسألة السّرقات الأدبيّة،  ومآلها المجهول أمام صمت القانون، مطلقة صرخة وجع وقلق واحتجاج. هل من قانون ينصفها؟ "ألا يحاسب القانون الكتّاب على سرقاتهم المعلنة والخفيّة؟ القانون، المائع، الماكر، الأعمى أحيانا. هو يهزمك يا سيّدة القانون.."(ص233)  

 ولكن يبدو أنّ هذا الطرح لمسألة السّرقات الأدبية لم يكن دقيقا بالقدر الّذي يقدر على فهمه القارئ باعتبار أنّ حفيظة قد عقدت معه ميثاقا قرائيّا حين أشركته في  مصاحبته في عملية القراءة وإرشاده إلى كيفيّة القراءة في علاقته بالنّص. لإعادة بنية العلاقة بينه وبين المؤلّف والنّص. فالقارئ لا يعلم  بتفاصيل حادثة سرقة رواية العراء، لأن ذلك لا علاقة له  بالنص الروائي. وهو حدث خارجي طارئ ممّا يضاعف من إرباكه، ويضيع الطرح على أهميّته فلا يبلغ هدفه. 

إذن سخّرت  حفيظة قارة بيبان كلّ آليات السّرد لتحكي حكاية رواياتها. وهو ما يجعلنا نعدّها الرواية النرجسيّة  الّتي تنزع إلى الانفلات من القيود والقوانين والأعراف في الكتابة الحديثة. كما ذهب إلى ذلك"ليسلي فيدلر". بدت من خلالها المؤلّفة مولعة بتطوير أساليب الأدبيّة عن طريق هذا الحضور البارز لها في الرواية، معيدة بذلك بنية العلاقة بين القارئ والمؤلّف والنّص.

 إنّ الأدب ليس سوى أداة استيعارية يطوّرها الإنسان باستمرار لمساعدته على فهم الواقع. فأين نصيب الواقع  في "نساء هيبو"؟

أهميّة الخطاب الرّوائي في "نساء هيبو" 

إنّنا لا نستطيع أن نجزم  بأنّ هذه الكتابة السّردية تنتمي بالكامل إلى نمط السّرد المفتون بذاته أوما يعرف بالميتاروائي  إذ أنّ هموم الكتابة الرّوائيّة لدى الشخصيات كان يندرج ضمن الحدث العام الرّوائي ولم يتّخذ الوعي الذّاتي بتقنيات السّرد والكتابة الرّوائيّة الحيّز المركزي والمهيمن على بناء الخطاب الرّوائي وإن ظلّت القصديّة في الالتزام بالسّرد المفتون صارخة.  

تتناسل الرّوايات الثلاثة وتتوارث( دروب الفرار/ العراء/نساء هيبو)عبر سلالة واحدة تعود إلى مبتدعها هي  المؤلّفة حفيظة قارة بيبان.  تداولت على هذه الرّوايات الثلاثة  أجيال ثلاثة: (2004/2012/2022) بدءا من الجيل  الأوّل الّذي تنتمي إليه الأمّ مريم. وأمّا الجيل الثّاني فجسّده كلّ من أحلام وسناء ونادر وغادة ودنيا. وأمّا الجيل الثالث فهو جيل الأطفال الّذي ينتمي إليه زهر ابن أحلام. كلّها حكايات وطن ."حكايات هيبو" تتكرّر فيها نفس المعاناة بأشكال مختلفة. علت أصوات كثيرة متداخلة ومتوازية ومتضاربة ومندّدة ومناهضة وحالمة. كلّها أصوات نساء اكتظت بها روايات حفيظة قارة بيبان. هنّ نساء لم يرحل عنهن الرجال إلى الحرب كما هو حال نساء بيكاسو في  لوحته  الشهيرة غرنكا. ولكنّهن نساء أصررن على إعادة ترتيب المفاهيم، والنّبش في المصائر المجهولة، وإعادة ترميم الأحلام. لكلّ واحدة منهنّ  رواية. وقد تتماهى حكاياتهنّ في" نساء هيبو". يواجهن الهشاشة  الكامنة فيهنّ ويقرّرن الانتصار على العجز والضعف،  متسلّحات بالإيمان بالحرّية. قرّرت سناء أن يعلو صوتها في الإعلام لتروي حكايات هيبودياريتيس الجديدة  في برنامجها " ليال هيبودياريتيس". واختارت التواصل عبر عالم  العولمة التكنولوجية، مؤكّدة إيمانها  بقدرة هذه السلطة الرابعة على تصحيح المسار النّضالي، مستشرفة عالما يعمّه السّلام.  وقرّرت مريم أن تبلغ الربوة. وتجذّر في النّشء حبّ العلم، والتّشبّث بالحلم، مؤمنة بأنّه لا سبيل إلى الخلاص إلّا بالعلم، مراهنة على المدرسة العموميّة التونسّية " قبل أن تمتدّ يدا زهر إليها لحق بعض الصّغار الصّاعدين إلى المدرسة.. اختفوا خلف دور الرّوابي وأشجار الكاليتوس الملوّحة أغصانها المورقة للسّماء المنذرة بالمطر."(ص237).  أمّا أحلام الّتي تعيش على صدى الخيانة "تعيد ذاكرة الفقد والخيانة المذلّة الّتي علّقت على باب بيتنا..."(ص126) "هشاشة الطفلة اليتيمة الماضية عادت لها.."(ص169). تفتقد حياة أحلام إلى اللمعنى فتواجه الإحساس بالفقد بالعزلة الفردية. فيزداد خوفها ووجعها.

  تنسج  في هذه الرّواية الحوارات المباشرة والمونولوجات، بتخطيط محكم. فتلبس كل شخصية لبوسها. ارتأت حفيظة شخصيّات نسائية تحرّك مسار السرد، تعرّي النسوة الثلاثة ( مريم الجدّة وأحلام ابنتها وسناء المحامية) أوجاع الأجيال عبر أزمنة ثلاثة: ماضيا  وحاضرا ومستقبلا تنطلق الحقبة الماضية قبل سنة 2011(من 2008 تاريخ أحداث الحوض المنجمي ) وأمّاحقبة مابعد2011 حتّى كتابة رواية نساء هيبو (2016) وتمثّل الحاضر أما الحقبة المستقبل فالتّنبؤ بها غير واضح المعالم، تصفه سناء قائلة "نبوءة غامضة، عن الغد الفاجع في مدينة بنزرت، هيبودياريتيس،هيبو الّتي تتقن لعبة ابتلاع أبنائها والنّواح عليهم بعد حين.."(ص220) 

اختنق أفق الشباب  وضاقت السبل أمامهم بعد أن تبخّرت أمالهم، واندثر الأمل الّذي كان يحدوهم" ،بعد هروب الرّئيس في صباح 15 جانفي 2011. خرجت  كلّ البلاد تنشد للحرّية  والكرامة والأحلام الكبيرة الّتي دنت للقطاف"... ستّ سنوات مضت على ذلك الحلم الّذي طار بنا إلى سماء الفرح.. أكان حلما؟ أم وهما هيّأه لنا اللّصوص الكبار لتمزّق بعده الأرض وتفرّق الجموع  وتوؤد الأحلام"(ص140) 

وتعوّل الكتابة على القصاصات، ودفتر المذكرات،  والجرائد والأخبار الرسمية، على شاشة التلفزيون لتخبر بواقع بلاد ضعفت حكومتها،  وتربّصت بها المخاطر من كلّ الجوانب. هيبو وطن يتناسل فيه أوجاع الآخرين. جيل الشباب العاطل يعيش "بتجاعيد تغزو الجباه يتجمّع في مقاهي الأرصفة"(ص138) بلا أمل لا خيار له غير امتطاء قطار الموت  غرقا أو الارتماء بين أحضان الإرهاب والاستسلام فأضحى" الشارع يعلن اكتئابه واكفهراره في العيون التائهة المتجهّمة في انفلات الأعصاب يأخذ المارين وراكبي المترو و المنتشرين على الأرض"(ص138) ..."مطر يوزّع الطين السّئل في الطرقات والأرصفة المحفّزة لتفيض البالوعات وتعوم الزبالة بحرية أكبر على شوارع  وأرصفة عاصمة البلاد..)(ص138) . 

قدّمت المؤلّفة استعارات عن الواقع من خلال صنع شخصيات خيالية ونسج حبكات خيالية وأحداث خياليّة وأسماء مستعارة باعتبار أنّ اللّغة  قاصرة  باستمرار عن تمثيل الحقيقة بشكل مباشر وهو ما أكّده جون فاولز بأنّ الكلمات مثل السلاسل تقيّد الكاتب  وفعل الوصف يشوّه الوصف نفسه واعتبر أنّ كلّ أنماط البشرية هي مجرّد أفعال استعارية وهو ما يؤكّد أيضا أهميّة دور الكتابة، هي فعل متواصل لا يتوقّف لا يتعلّق بزمن محدّد ولا بمكان ما. هيبو هي  مكان مفتوح اتّخذته الكاتبة مسرحا لرواياتها الثلاثة. هي تدرك مدى حاجتنا إلى التذكير و الإعادة حفظا للذاكرة ودفعا للتغيير وأملا في البناء والتّشييد باستمرار. وتبقى الحيرة دافعة للمعرفة " تصرخ بي الأسئلة الهادرة مع الرّيح"(ص222) .."تتداخل الحكايات ..تتداخل الرسائل والكلمات، تتداخل الفصول والأزمان... وإذا أنا أضيع أغرق.. أغرق في هدير كلمات ما عادت تنجدني أنا مؤلّفة كلمات"(ص233).  

هكذا يتأثر الكاتب الّذي لا يكتفي بمشروع الكتابة فحسب.  بل يشترك بعمق كما يذهب إلى ذلك غرامشي مع إشكاليات عصره ومجتمعه. فيتطلّع إلى أن يحفر عميقا في نسج الواقع، تاركا بصمة في سفر الثقافة العميق.

الخاتمة

لئن كانت لعبة  السرد المفتون بذاته  تضع هذه الرواية في موقع التّجريب السّردي الحداثي والما بعد حداثي، فإنّها من ناحية أخرى تطرح العديد من التّساؤلات. ومن ثمّة بدا هذا النص الرّوائي منفتحا على تعدّد الحبكات فلم تلغ الحبكة منه. ولئن نسجت حفيظة نصّا أكثر إثارة للجمهور،  وانجذابا لنصّها،  فإنّها في الحقيقة تفطّنت إلى أهميّة هذا التداخل والانسجام بين الشخصيات في تأثيث نص ينعتق من كلّ القوانين الصارمة، منخرطة في ما يعرف بدمقرطة الرّواية، وجعلها فضاء حرّا ومنفتحا. لقد سعت حفيظة قارة بيبان إلى إتاحة الفرصة للقارئ لتحقيق فعل قراءة استنطاقية حرّة متسائلة تأويلية، تندمج فيها عمليات الكتابة الإبداعية والنّقدية والقرائيّة، في بوتقة واحدة. وقد برهنت المؤلّفة أنّ الكتابة الرّوائيّة ليست إلّا إبداعا من صنع خيالها. وأظهرت المؤلّفة في هذه الكتابة مهارة  في الجمع بين السرد المفتون بذاته والخطاب الرّوائي بتوظيف لجملة من الحيل التقنيّة مقدّمة خطابا جديدا متماشيا مع ظروف العصر الرّاهن، متبنّيّة قضاياه الّتي لا تقلّ خطورة عمّا حملته أعمالها السّابقة، غير متناسية مسؤوليتها بوصفها مثقفة عضوية، تتحمّل مسؤوليات تاريخية واجتماعية وأخلاقيّة، تجاه الآخر والمجتمع. إذ لا يمكن القبول بمقولة جاك دريدا الّذي يرى أنّه " لا شيء خارج النّص".  لقد حاولت في هذه الرّواية زعزعة وتفكيك اليقينيات الّتي كانت تلقي بظلالها على الأدب، متجاوزة فكرة وعي الواقع والعلم بشكل مطلق. فهل يمكن أن نعتبر هذا الانفلات والتّجاوز مجرّد إعادة لتجارب أدبية غربيّة ؟ أم يمكن أن تكون مجرّد خطّة تكتيكية  جالبة للجوائز؟