المبادرة المغربية تضع التنمية والرفاه في قلب حلّ نزاع الصحراء

مقترح الحكم الذاتي في صيغته الجديدة يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة ومباشرة في مجالات تمس الحياة اليومية للمواطن.

الرباط - لم تعد المبادرة المغربية لإنهاء النزاع حول الصحراء مجرد إطار عام للتفاوض، بل تحولت في نسختها الأخيرة، المكونة من 40 صفحة، إلى مشروع قانوني متكامل أشرف عليه مستشارون ملكيون بتكليف من العاهل المغربي الملك محمد السادس. وتأتي هذه النسخة استجابة للقرار الأممي الذي رسخ الحل كأساس وحيد للتفاوض، لتقدم "خارطة طريق" إجرائية مادة بمادة، تضع أسسًا قانونية صلبة لتدبير الأقاليم الصحراوية تحت سيادة المملكة.

وكشفت صحيفة "أتالايار" الإسبانية عن أبرز مضامين المبادرة التي قدمتها الرباط إلى كل من الجزائر وموريتانيا وجبهة بوليساريو الانفصالية باعتبارها أطرافا أساسية في الصراع، لافتة إلى أن المقترح يعتمد مقاربة "اللائحة الحصرية"، وهي تقنية دستورية متطورة تضمن عدم تداخل الاختصاصات.

وينص المشروع في نصه الجديد على أن الدولة هي الضامن للوحدة الوطنية عبر احتكار ملفات الدفاع، الأمن الاستراتيجي، السياسة الخارجية، العملة والجنسية، بينما تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة ومباشرة في مجالات تمس الحياة اليومية للمواطن، مثل التنمية الاقتصادية، الصيد البحري، الصناعة، السياحة والتخطيط الجهوي والخدمات الاجتماعية وتدبير الموارد المائية والطاقية، بالإضافة إلى المجال الثقافي من خلال النهوض بالهوية الحسانية كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.

وتقدم المبادرة نموذجاً ديمقراطياً يزاوج بين العصرنة والخصوصية الاجتماعية للمنطقة، إذ يتضمن إحداث برلمان جهوي يتميز بـ"الشرعية المزدوجة"، حيث يضم أعضاء منتخبين مباشرة، ونوابا يمثلون القبائل الصحراوية، مما يضمن انخراط الأعيان والشباب والنساء (عبر كوتا إلزامية) في صناعة القرار التشريعي المحلي.

ويقترح المغرب تعيين رئيس الحكومة الجهوية من طرف العاهل المغربي، لضمان "الولاء الدستوري" ومنع أي تصادم بين الشرعيات، مع منح هذا الرئيس صلاحيات واسعة في تعيين المسؤولين الجهويين وإدارة الميزانية، وربط مسؤوليته بمراقبة البرلمان الجهوي (ملتمس الرقابة).

وينص المشروع على إحداث محاكم جهوية (ابتدائية واستئنافية وعليا) تفصل في النزاعات المحلية، مع بقاء المحكمة الدستورية الوطنية كمرجع نهائي لضمان وحدة القوانين.

وتؤسس المبادرة لنظام مالي يحفز على الاستثمار ويضمن توزيعاً عادلاً للثروة، حيث ترسخ حق الإقليم في فرض ضرائب ترابية ورسوم على استغلال الموارد الطبيعية المحلية وتكرس التضامن الوطني من خلال "صندوق توازن" وطني لضمان استمرارية المشاريع الكبرى.

وتخضع الاستثمارات الأجنبية لرقابة مزدوجة (جهوية ووطنية) لحماية الأمن الاقتصادي وضمان استفادة الساكنة المحلية من العائدات.

وتضع المبادرة حلولاً واقعية لمأساة مخيمات تندوف عبر آليات واضحة لتسجيل وإحصاء وتسهيل عودة الصحراويين وبرامج لدمج المقاتلين السابقين بعد نزع السلاح مع عفو منظم. بالإضافة إلى فتح الباب أمام المشاركة السياسية والاقتصادية الكاملة للعائدين في بناء مستقبل الإقليم.

ويشدد المشروع بوضوح على عدم قابية المبادرة للتأويل في اتجاه الانفصال، مع الحفاظ على رموز السيادة (العلم والنشيد الوطني).

ويمكن القول إن استلهام المملكة لتجارب دولية ناجحة (مثل إسبانيا، غرينلاند، واتفاق نوميا في فرنسا) مع تكييفها مع الخصوصية المغربية، يجعل من هذه المبادرة الحل الوحيد الذي ينهي النزاع الإقليمي المفتعل. وتضمن الصيغة الجديدة للمغرب سيادته على أقاليمه، وللسكان الصحراويين تدبير شؤونهم بأنفسهم في إطار من الكرامة والرفاه والاستقرار.

ولافت للنظر أن وضوح البنود القانونية والمالية في المقترح المغربي يقطع الطريق أمام الأطروحات التي باتت من الماضي، ويحول الحكم الذاتي من شعار سياسي إلى واقع مؤسساتي قابل للتطبيق الفوري.

وتشهد القضية الوطنية المغربية زخما دوليا لافتا في ظل انتقالها من مرحلة "إدارة النزاع" إلى مرحلة حسمه لصالح الوحدة الترابية للمملكة. هذا النجاح ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية ملكية هادئة ونفس طويل يمزج بين التنمية الاقتصادية والواقعية السياسية.