المتناسلون من الأضرحة المفتوحة
"مات الأب" عبارة مفتاحية يستهل بها الكاتب والصحفي المصري حسين عبد العزي" روايته "بالضبة والمفتاح"، وتعادل "كش ملك" في لعبة الشطرنج القائمة على استعراض القوة والسيطرة على الخصم، والتي ترمز فعليا إلى حلبة الصراع على المستويين الاجتماعي والسياسي.
لذلك يحرك الموت زوبعة من الاسئلة ويضع حدا للنقاش بين الاخوة الاعداء حول العلمانية والتزمت الديني، نقاش تتخلله الشتائم فتضفي على الأحداث طابعا مسرحيا متلفزا، فتصعب قراءتها الا من خلال الانصات للصوت المحكي الذي يعبر عن أحلام المهمشين المجهضة.
تدور الرواية حول شخصية ظل مغيبة عن مسرح الواقع، وتتجسد بالاب المستبد "البطريرك"، الذي تجلت عدالته الوحيدة في توزيع قسوته وسخطه على أبنائه بالتساوي، لتتحول الابوة إلى مظهر لتفريغ العقد النفسية التي شحنها مجتمع قائم على التراتبية والطبقية.
إذ يسأم الاب رتابة حياته الريفية البسيطة ويغرم بنمط معيشة امرأة متزوجة صاحبة نفوذ وجاه، تدخله عالم المتعة، فيكره حياته وأبناءه.
وتلك الحياة القائمة على ثنائية "الزوجة ـ العشيقة" تدفعه لاقتراف كافة أنواع الموبقات، التي تبتدأ بالتنمر ولا تنتهي بالتحرش الجنسي بالابنة "أم النصر "، لتأخذ بعدها الاقسى مع والدة الابن "فتحي" كثمرة لاغتصاب الاب لاخت زوجته المتزوجة، والتي يدفعها التنمر والاذى الجسدي إلى انهاء حياتها.
يكتسب الموت في الرواية قيمة مضاعفة، إذ يغدو رمزا عابرا للخلاص من وطأة القهر والظلم، فيعيد ترتيب أوضاع الاسرة من جديد، ويضع حدا لبطش الاب الذي طالما وصف نفسه بأنه أكبر شاذ في العائلة والقرية كلها، وهو ما جعل الجميع يتمنون رحيله، وزوال الرعب والقلق والخوف الذي خلفه حضوره في نفوس أبنائه. وعلى الصعيد الاخر يستطيل "الموت" ليصبح الشيء الوحيد المسموح به في زمن الاوقات العصيبة التي دشنتها نكسة حزيران، ولم تغلقها أحداث ميدان التحرير.
يبدأ التعبير عن القهر من ظلم الاب بالابن طاهر الذي يعجز عن اظهار الحزن أمام المعزين، فيفرد ذراعيه على طولهما وهو لايزفر نفسا حارقا، ظل محبوسا في صدره زمنا طويلا. أما الاخت أم النصر فتستعيد عدد المرات التي حاول فيها التحرش بها، فتبكي قهرا من أفعاله المشينة وليس حزنا عليه، قبل أن ترتمي على النساء اللواتي يندبن، وتتمنى أن تدفن قبل أبيها الذي أفسد حياتها وحياة إخوتها.
ومع فتحي المحامي، تدخل الرواية منعطفا حرجا، تتحول فيه مشكلة النسب المشكوك فيه إلى أزمة هوية جمعية مغلفة بالنفاق الاجتماعي الذي يتمظهر في عويل الندابات على رجل طالما برع في الكذب والنفاق، وكأنه يسيطر حتى على جنازته.
ليتحول العويل في المقبرة وأمام قبر الاب الى هلاوس وحوارات هذيانية مع جثث تقوم من أجداثها والدود ينهشها. لينتقل هذا الدود إلى جسد فتحي، ويشرع في التهامه.
يحاول "فتحي" الهرب من المقبرة ليتخلص من رواسب الماضي الثقيلة التي تطوق وجوده والمتمثلة بالديدان، لكنه يباغت بفقدان رأسه، في إشارة إلى ضياع البوصلة التي تقود مجموعة التجارب الحياتية نحو معانيها، وهو ما يعبر عنه بالذات الانسانية.
لذلك يواصل الركض حتى يصل مقهى القرية، حيث يجد أقرانه من المثقفين فاقدي الرؤوس، المستغرقين في الطواف حول حلم السفر، فينتابه الحسد تجاه الجاهلين الذين يرفلون في النعيم، بينما يشقى هو وأمثاله في جحيم الاسئلة المعلقة.
فيشرع أحدهم في إلقاء خاطرة أمام رفاقه، بعد أن تم منعه من الكتابة خمس سنوات، يعكس فيها محنة الجيل الذي ينتمي إليه جيل تبعثرت أحلامه هباء، ليتعاقب الجميع في إضافة رتوش وصور عن حيوات مجهضة بفعل ازهاق الحب.
حين يحين دور فتحي في الكلام يضيف إلى تبعثر الذات مأزق الزواج الذي تم طرحه كحل إنقاذي سريع من أجل لملمة شذرات الذات الهاربة والضائعة.
ولان فاقد الشيء لا يعطيه، لن تملك شخصية الظل المتمثلة في الزوجة هدى إمكانية الطفو فوق جحيم زوجها "فتحي" الفكري والنفسي، لكونها نتاج مجتمع يقمع المرأة ويقيدها. وبالتالي، تفشل في أن تكون ما تحب وترغب لتصبح ما تكره وتبغض متحولة إلى دمية مرعبة، تخرج عن طورها كلما احتك بها أحد لتتحول إلى مسخ جبل على نار هادئة، مسخ تحركه رغبة الانتقام، فتكمل ما سبق وأن بدأه الاب، ليدرك "فتحي" أنها من اجتث رأسه.
في حركة انتحارية يائسة، يدخل "فتحي" مسجد القرية ويعتلي المنبر امعانا في التحدي ويخبر المصلين عن شأن تافه، وكأنه يختبر سذاجتهم. وحين يصدقوه يخرج يائسا، ويتجه مجددا نحو المقبرة، حيث يجد الاضرحة مفتوحة وفارغة. عندئذ يتيقن أنه ال يوجد أمل مادام هؤلاء الاموات يتجولون في القرية ويمرحون فيها. فيصرخ في الناس الفاقدين لرؤوسهم: "أعيدوا الاموات إلى قبورهم وأغلقوا عليهم بالضبة والمفتاح".
