حسين درمشاكي: 'الكتابة التي لا تُقلق كاتبَها لن تُحرِّكَ قارئَها'

الكاتب الليبي يعتبر القصة القصيرة جدا 'نحتا في الرخام' يعتمد على بلاغة الحذف والاختزال لتجسيد الوجع الإنساني، واصفا مجموعته "أنا وأبي" بالرحلة لترميم الذاكرة والبحث عن الجذور في خضم تحولات الواقع.

في عالم الأدب الليبي، يبرز إسم حسين بن قرين درمشاكي كواحد من أبرز ممارسي فن القصة القصيرة جداً، ذلك الجنس السردي الذي يتطلب دقة متناهية، وجرأة في اختزال المعنى ضمن كلمات قليلة. في مجموعته الأخيرة "أنا وأبي"، يغوص درمشاكي في الذاكرة الفردية والجمعية، مستحضراً رمزية الأبوة، وحضور الأم الصامدة في خيمتها، وأفق الصحراء الممتد كخلفية حية لأحداث نصوصه.

تتميز نصوصه بتشابك الرمزية والواقعية، حيث تتحول التفاصيل العابرة إلى نصوص باقية، ويصبح كل مشهد صغير نافذة لفهم أعمق للإنسان والبيئة المحيطة به. الحوار التالي يحاول الاقتراب من رؤيته الأدبية، وفلسفة كتابته، وطريقة اختياره للقالب القصصي الذي أتقنه باحتراف.

أولاً: فلسفة الكتابة والأسلوب

س1: اخترتَ القصة القصيرة جداً قالباً أساسياً لتجربتك الإبداعية؛ ما الذي يجذبك في هذا الفن الصعب رغم ما يفرضه من قيود التكثيف والاختزال؟

ج1: يجذبني فيها "اقتصاد الألم" وبلاغة الانفجار في حيز ضيق؛ ففي ال(ق.ق.ج) تصبح الكلمة رصاصة والسكوت قصيدة. أغراني هذا الفن لأنه لا يقبل الترهل أو الثرثرة؛ إنما يتطلب دقة جراح لانتزاع الدهشة من قلب العادي، وتحويل اللحظة العابرة إلى أثر كوني لا يمحوه الزمان.

س2: في إهدائك بكتاب "أنا وأبي" ذكرتَ الأم الشامخة في خيمتها… إلى أي مدى تشكل البيئة الصحراوية والبادية الليبية جغرافيا خفية لكتابتك؟

ج2: الصحراء ليست رمالاً صامتة، هي "مختبر الروح" والمدى الذي لا يحده سقف. الخيمة في نصوصي هي رحم الهوية ووتد الوجود الصامد أمام ريح المحو؛ فمن صلابة البادية استلفتُّ لغتي، ومن صمت الصحراء المهيب تعلمتُ كيف أجعل للكلمة صدىً يسافر خلف حدود السطور والخرائط.

س3: نصوصك تميل إلى الجمع بين الرمزية التي تفتح أبواب التأويل، والواقعية التي تلمس حياة الإنسان البسيط… كيف تحقق هذا التوازن داخل نص شديد القِصر؟

ج3: أكتب الواقع بوجعه العاري، ثم أمنحه "أجنحة الرمز" ليحلق بعيداً عن رتابة التقرير. الرمزية هي الغلاف الجوي الذي يحمي النص من الاحتراق في المباشرة، والواقعية هي الجاذبية التي تحفظه من التيه في الغموض؛ فالمبدع الحقيقي هو من يغرس قدميه في طين الأرض وعينيه في سماء المجاز؛ هو الذي يسكن العتمة ليفهم سرّ الضوء.

ثانياً: حول مجموعة "أنا وأبي"

س4: يحمل عنوان المجموعة "أنا وأبي" دلالات إنسانية عميقة… هل يمكن قراءته بوصفه بحثاً عن الجذور، أم هو نوع من المصالحة مع الذاكرة؟

ج4: هو "عناق مع الأصل" في مرآة الشتات. البحث عن (الأب) هو محاولة لترميم الوتد الذي يثبّت خيمة الروح في زمن التيه؛ إنها ليست مجرد مصالحة مع الذاكرة، هي استعادة لملامحنا التي كادت تذروها الرياح، وإعادة اعتبار للانتماء الذي يمنحنا الثبات أمام عواصف الحداثة.

س5: تضم المجموعة ترجمات لبعض النصوص إلى اللغة الفرنسية… كيف تنظر إلى قدرة القصة الليبية القصيرة جداً على عبور الحدود اللغوية والوصول إلى قارئ مختلف ثقافياً؟

ج5: الوجع الإنساني لغة فطرية لا تحتاج لترجمان، والترجمة ليست إلا "قنطرة لسانية" يعبر عليها نبضنا الليبي للآخر. حين تتجرد القصة من زوائد الكلام وتخاطب الجوهر البشري، فإنها تمتلك جواز سفر كوني يمكّنها من استيطان قلب القارئ في باريس بذات الوشم الذي تتركه في قلب القارئ في طرابلس أو بنغازي أو سبها.

س6: نجد في عناوين نصوصك مثل: (خنفر – الغريب – رعايش) ارتباطاً واضحاً بشخصيات أو حالات إنسانية محددة… كيف تلتقط شخوص قصصك من الواقع؟

ج6: شخوصي هم "سكان الهامش" المنسيون في زحام الضوء؛ التقطهم من تجاعيد المتعبين، ومن صمت العابرين على أرصفة الانتظار. "خنفر" و"رعايش" ليسوا أطيافاً من خيال، هم نبض يسري في أزقتنا، منحتُهم عرش النص ليكونوا صوتاً لمن لا حنجرة له، وليكتبوا تاريخاً موازياً لم تدونه الكتب الرسمية.

ثالثاً: المشهد الثقافي والرسالة

س7: كيف يرى حسين درمشاكي واقع القصة القصيرة في ليبيا اليوم في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد؟

ج7: القصة الليبية تعيش اليوم "مخاضاً مقدساً" وسط ركام التحولات؛ فقد منحتنا الأزمات مادة خاماً مغموسة بالدم والدمع، الفن يقتضي مسافة جمالية لتحويل الصرخة الخام إلى نص ناضج. أرى جيلاً يتمرد على القوالب الجاهزة ليصهر وجع الوطن في أيقونات سردية متفردة.

س8: هل استطاع النقد الأدبي الليبي مواكبة هذا الحراك الإبداعي، أم أن المسافة ما زالت قائمة بين النص النقدي والنص الإبداعي؟

ج8: بأسى أقول: الفجوة ما زالت سحيقة؛ فالمبدع الليبي يغامر في براري التجريب، بينما لا يزال النقد المحلي يقتفي أثر النص بخطى وئيدة، أو يحبسه في أقفاص المجاملة. نحتاج لنقد شجاع يفكك شفرات الروح ويضيء العتمة التي يتركها النص خلفه، لا نقد يكتفي بترديد الصدى.

س9: يقال إن "الكلمة موقف"… ما الرسالة التي تحرص على تمريرها بين سطور قصصك الخاطفة؟

ج9: رسالتي هي "الانتصار للكينونة البشرية". في عالم يحاول تحويل الإنسان إلى مجرد رقم، أصرّ عبر ومضاتي القصصية على حقن القارئ بلقاح الوعي؛ فالكلمة التي لا تهز وجداناً أو تثير تساؤلاً هي صمت زائد، وأنا أنشد كلمات تتنفس الحرية وتنبض بالبقاء.

رابعاً: أسئلة الختام

س10: بعد مجموعة "أنا وأبي"… ما المشروع الأدبي الذي يعمل عليه الكاتب حالياً؟

ج10: بعد مجموعاتي القصصية (أنا وابي/المرأة التي تزوجت الجني/خطيئة/وجوه الظل والنور/ الربيع خريف آخر/ وروايتي القصيرة/غصة وجع/ ثمة خلايا سردية متمردة تتشكل في مختبري الآن؛ أحاول فيها الخروج من تقشف القصر الشديد إلى رحابة تمزج بين الأسطورة الصحراوية العتيقة وجنون الواقع المعاصر. مشروع يسعى لاختبار مدى مرونة اللغة وقدرتها على احتواء عبثية العالم الجديد.

س11: ما النصيحة التي توجهها للكتاب الشباب الراغبين في خوض تجربة القصة القصيرة جداً؟

ج11: "احرقوا الفائض من الكلمات لتبقوا على جوهر الضوء"؛ تذكروا أن ال(ق.ق.ج) هي نحت في الرخام وليس كتابة على الرمل. لا تنشروا الومضة إلا إذا أضاءت عتمتكم الداخلية أولاً، وتسلحوا ببلاغة الحذف، فجمال النص يبدأ من حيث تنتهي الزوائد؛ والكتابةُ التي لا تُقلقُ كاتبَها، لن تُحرِّكَ قارئَها؛ والنصُّ الذي لا يملِكُ شجاعةَ المساءلة، يظلُّ جُثّةً هامدةً في كفنِ البلاغة.