المجلس السياسي الوطني.. ولادة متأخرة لبيت سنّي ممزق

المنطق السياسي يفترض أن تكون القوى السنّية قد توحدت قبل الانتخابات لا بعدها والمنطق السياسي يفترض أيضا أن يولد المجلس من رحم القناعة ولا من ضرورات المصلحة والنفوذ.

تعيش الساحة السنية في العراق واحدة من أكثر اللحظات السياسية تعقيداً منذ عام 2003، فبعد سنوات طويلة من التشتت والتنافس الحاد بين القوى والشخصيات، أعلنت الأحزاب السنية الفائزة بالانتخابات عن تأسيس "المجلس السياسي الوطني" بوصفه مظلة جامعة لتنسيق المواقف وتوحيد القرار داخل المكون.

الخطوة تبدو في ظاهرها محاولة لإنهاء حالة التشظي، لكنها في العمق تُختبر اليوم أمام أسئلة كبيرة تتعلق بالقدرة على الصمود، وحدود النفوذ، وحسابات الربح والخسارة لدى كل طرف.

وتبدو الخطوة التي أقدمت عليها القوى السنية بتأسيس المجلس السياسي الوطني بعد انتهاء الانتخابات وكأنها محاولة متأخرة لاستدراك ما فات، فالمنطق السياسي كان يفرض أن يُنشأ هذا الإطار الجامع قبل خوض الاستحقاق الانتخابي وليس بعده وذلك لتقوية حظوظ المكوّن السني وتعزيز تأثيره التفاوضي، لا سيما في مواجهة تكتلات راسخة تمتلك رؤى موحدة وأذرعاً تنظيمية قوية.

 لكن القوى السنية، التي ترزح منذ سنوات تحت وطأة الانقسام والتنافس على النفوذ والزعامة، لم تتمكن من تجاوز عقدة الخلافات إلا بعد ظهور نتائج الانتخابات، وكأنها لم تدرك أهمية وحدة الصف إلا حين وجدت نفسها أمام استحقاقات تشكيل الحكومة وموازين القوى الجديدة.

وهكذا وُلد المجلس السياسي الوطني بعد فوات لحظة سياسية ثمينة، ما يثير تساؤلات مشروعة حول قدرته على تعويض خسائر الفرصة الضائعة، وصموده أمام إرث طويل من التشرذم.

ويبدو المجلس السياسي الوطني وكأنه استنساخ للتجربة الشيعية مع الإطار التنسيقي: مظلة عريضة تجمع قوى متباينة في لحظة سياسية ضاغطة، لكن هذا "الاستنساخ" يعاني من مشكلتين أساسيتين:

أولها غياب التجربة المشتركة بين القوى السنية في إدارة صراع سياسي طويل الأمد تحت سقف واحد، بعكس القوى الشيعية التي جمعها تاريخ سياسي وحزبي ممتد.

وثانيها حدة الانقسام الشخصي داخل البيت السني، حيث تتقدم الحسابات الفردية على الحسابات السياسية والبرامج.

لخميس الخنجر حساباته
لخميس الخنجر حساباته

وإذا كان الإطار التنسيقي، رغم هشاشته وانقساماته، ما يزال قادراً على فرض معادلات داخل النظام السياسي بفضل قوة داعمه الإقليمي (إيران) وتشابك مصالحه الداخلية، فإن المجلس السياسي الوطني يدخل الساحة من دون غطاء مشابه، ومن دون تصور واضح لكيفية إدارة الخلافات الداخلية التي قد تظهر منذ اللحظة الأولى.

فجوة لا يمكن تجاهلها

وفي صلب الأزمة السنية المعاصرة تقف العلاقة المعقدة بين خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي. تحالف الضرورة الذي جمع الطرفين في محطات عديدة لم يكن قائماً على رؤية مشتركة بقدر ما كان يقوم على موازنة نفوذ كل منهما على جمهوره ومناطقه وموارده.

واليوم، ومع التطورات الداخلية في حزب السيادة وإعفاء خميس الخنجر من رئاسة التحالف وتكليف نجله محمد سرمد الخنجر بالمهمة، تتسع الهوة بين المعسكرين، فخطوة التغيير داخل "السيادة" تُقرأ في بعض الأوساط على أنها محاولة لإعادة ترتيب أوراق النفوذ داخل البيت السني، لكنها أيضاً تعكس اهتزازاً في توازنات القيادة التقليدية، وقد تؤدي لاحقاً إلى إعادة تشكيل خارطة الولاءات.

أما الحلبوسي، الذي خرج من رئاسة البرلمان تحت ضغوط سياسية وقضائية، فهو يستعيد موقعه تدريجياً عبر تحالفات جديدة مع قوى فائزة تتقاطع مصالحها مع حزب "تقدم". وهذا يجعل العلاقة بين الطرفين عرضة لانفجارات سياسية في أي لحظة، ما يهدد المجلس الوليد قبل أن يشتد عوده.

ولا يمكن فصل الحراك السني عن سياق التوازنات الإقليمية، فالمشهد السياسي الحالي يجري في ظل: قوى شيعية نافذة مدعومة من إيران تمتلك القدرة على فرض شروطها في تشكيل الحكومة وأحزاب كردية تسعى إلى تعزيز مكاسبها في مفاوضات توزيع المناصب.

وفي ظل هذه المعادلات، لا يمتلك المجلس السياسي الوطني رفاهية التشتت، فالقوى السنية، التي حصدت 77 مقعداً في الانتخابات، تدرك أنها أمام اختبار مفصلي: إما تشكيل تكتل مؤثر يفرض حضوره في مفاوضات الحكومة، أو العودة إلى مرحلة التبعثر السياسي التي لطالما سمحت للأطراف الأخرى باحتكار القرار.

وللحلبوسي أيضا حساباته
وللحلبوسي أيضا حساباته

وفي خضم هذا المشهد بتجلياته الراهنة يبرز تساؤل ملح: هل يصمد المجلس… أم ينهار تحت وطأة الصراع الداخلي؟

ويبقى نجاح المجلس السياسي الوطني مرهون بثلاثة عوامل أساسية: أولها قدرة القوى السنية على إدارة خلافاتها الشخصية، خصوصاً بين الخنجر والحلبوسي، والحؤول دون تفكيك التحالف الناشئ عبر تحالفات مصلحية جانبية.

وثانيها صياغة أجندة مشتركة تتجاوز الشعارات العامة، وتحدد بدقة القضايا التفاوضية مع القوى الشيعية والكردية في مسار تشكيل الحكومة.

وثالثها الابتعاد عن منطق الزعامة الفردية والتحول نحو عمل مؤسساتي يثبت استمرارية المجلس حتى عندما تتغير المواقع القيادية.

لكن التجربة التاريخية منذ 2003 لا تشجع كثيرا، فالبيت السني غالباً ما شهد انقسامات حادة عند كل استحقاق سياسي، لأسباب تتعلق بتنافس الزعامة، واختلاف الارتباطات الإقليمية، وعدم وجود مشروع سياسي موحد.

هل يستطيع المجلس قلب المعادلة؟

ورغم التحديات، فإن الفرصة السياسية القائمة اليوم لا يمكن التقليل من قيمتها، فتوحد القوى السنية – ولو مرحلياً – يمنحها: قدرة تفاوضية أعلى في تشكيل الحكومة وإمكانية الحصول على مناصب سيادية مؤثرة ويمنحها أيضا فرصة لإعادة تمثيل جمهورها بعد سنوات من الإحباط السياسي والأمني والخدماتي.

لكن قلب المعادلة في مواجهة قوى شيعية ذات نفوذ راسخ يتطلب تماسكاً داخلياً غير مسبوق، واستعداداً لتحمل كلفة العمل الجماعي، ومراجعة جدية لإرث الانقسام الذي دفع السنة أثمانه في كل دورة سياسية.

ويمثل تأسيس المجلس السياسي الوطني خطوة مهمة، لكنه ليس ضمانة بذاته، فهو يدخل اختبارا قاسياً منذ اللحظة الأولى: هل تغلب القيادات السنية مصلحة المكوّن على مصالحها؟ وهل تتجاوز الحسابات الشخصية إلى مشروع سياسي جامع؟ أم أن المجلس سيكون مجرد محطة أخرى في سجل طويل من التجارب التي تنهار عند أول منعطف؟

وستكشف الأسابيع المقبلة، في ظل حراك تشكيل الحكومة وترتيب التحالفات، ما إذا كان هذا المجلس بداية مرحلة جديدة… أم تكراراً مأساوياً لتاريخ الانقسام المزمن، بما قد يرسم صورة لمجلس وُلد في الوقت بدل الضائع من رحم تحالف المصلحة لا القناعة.