المسرحيون العرب يلتقون في القاهرة

دورة جديدة تنطلق من العاصمة المصرية تجمع التجارب العربية وتفتح حوارًا فنيًا وفكريًا حول راهن المسرح ومستقبله.

القاهرة - انطلقت في القاهرة فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، في احتفالية مسرحية كبرى تؤكد مجددًا مكانة مصر كحاضنة مركزية للإبداع العربي، وتكرّس المهرجان بوصفه الحدث المسرحي الأبرز على مستوى الوطن العربي.

وتستضيف القاهرة المهرجان للمرة الثالثة في تاريخه، بعد دورتي 2009 و2019، بمشاركة عروض مسرحية من مصر وعدد من الدول العربية، بينها الإمارات وقطر والكويت والعراق والأردن ولبنان والمغرب وتونس، في دورة تمتد من 10 إلى 16 يناير/كانون الثاني الجاري، وتتزامن مع اليوم العربي للمسرح.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد إسماعيل عبدالله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، أن اجتماع المسرحيين العرب في القاهرة يتجاوز فكرة المهرجان إلى معنى أعمق، معتبرًا المسرح "فعل أمة" يتجسد في المبدعين، ويعبر عن وعي جماعي يسعى نحو المستقبل، مشيدا بالدعم الذي قدمته الدولة المصرية لإنجاح الدورة، وبالشراكة الممتدة مع وزارة الثقافة، التي أسهمت في تقديم برنامج فني وفكري يعكس طموحات المشهد المسرحي العربي.

ومن جانبه، أكد وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو أن رعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للمهرجان تحمل دلالة واضحة على إيمان الدولة بدور الفنون في بناء الوعي وترسيخ الهوية، مشيرًا إلى أن استضافة القاهرة لهذه الدورة تعكس ثقلها الثقافي وريادتها التاريخية في المسرح العربي، مثمنًا الدور الذي يقوم به المهرجان في إثراء الحركة المسرحية العربية وإلهام أجيال جديدة من المبدعين.

ويشهد المهرجان تقديم 16 عرضًا مسرحيًا، من بينها 15 عرضًا تتنافس على جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي، إضافة إلى عرض واحد يُقدَّم خارج المنافسة. وتمثل هذه العروض بانوراما فنية تعكس تنوع المدارس والأساليب المسرحية العربية، من النصوص الكلاسيكية المعاد تأويلها إلى التجارب المعاصرة التي تشتبك مع قضايا الإنسان والواقع.

وتشارك مصر بعرضي "كارمن" من إخراج ناصر عبدالمنعم، و"مرسل إلى" من إخراج محمد فرج، إلى جانب عرض "الجريمة والعقاب" الذي تقدمه نقابة المهن التمثيلية ضمن المسار غير التنافسي. كما تحضر عروض من المغرب وتونس ولبنان والعراق والأردن والكويت والإمارات وقطر، بما يمنح الجمهور خريطة حية للمشهد المسرحي العربي الراهن.

وتشمل العروض المشاركة عرض "الساعة التاسعة" من قطر لفرقة قطر المسرحية، تأليف مريم نصير وإخراج محمد الملا، وعرض "الهاربات" من تونس، إنتاج المسرح الوطني التونسي بالشراكة مع الأسطورة للإنتاج، تأليفًا وإخراجًا لوفاء طبوبي، إلى جانب عرض "بابا" من الإمارات العربية المتحدة لمسرح الشارقة الوطني، تأليفًا وإخراجًا لمحمد العامري، وعرض "طلاق مقدس" من العراق للفرقة الوطنية للتمثيل، تأليفًا وإخراجًا لعلاء قحطان، وعرض "فريجيدير" من الأردن، إنتاج آرتو وهيك – الحاكم مسعود، عن نص هزاع البراري ودراماتورجيا وإخراج الحاكم مسعود.

ومن بين العروض أيضا عرض "من زاوية أخرى" من الكويت لفرقة المسرح الكويتي، تأليف مصعب السالم وإخراج محمد جمال الشطي، إضافة إلى عرض "مواطن اقتصادي" من المغرب لمحترف الفدان للمسرح، تأليف أحمد السبياع وإخراج محمود الشاهدي.

وكعادته، افتتح المهرجان بتلاوة رسالة اليوم العربي للمسرح، التي كتبها هذا العام الناقد والمؤلف المسرحي الدكتور سامح مهران، حيث شدد في رسالته على البعد الأخلاقي للمسرح، ودوره في مساءلة أنماط الحياة وطرق التفكير، ليس من أجل ازدهار الفرد فحسب، بل من أجل بناء علاقة أكثر وعيًا بالآخر وبالمدينة وبقضايا البيئة والمناخ، بما يفضي إلى تحسين الذات والحياة معًا.

وشهد حفل الافتتاح بالمسرح الكبير لدار الأوبرا المصرية تكريم 17 فنانًا وشخصية مسرحية مصرية، تقديرًا لعطائهم الممتد وتأثيرهم في الحركة المسرحية، من بينهم محمد صبحي، فردوس عبدالحميد، أحمد بدير، ناصر عبدالمنعم، عصام السيد، عبلة الرويني، وفاطمة المعدول. كما شمل التكريم خمس جهات مسرحية لعبت أدوارًا محورية في إثراء المشهد المسرحي المصري، هي الجمعية المصرية لهواة المسرح، والمسرح الكنسي، وفرقة الورشة، ومركز الإبداع الفني، ونوادي المسرح بالثقافة الجماهيرية.

خصصت الدورة الحالية محورًا فكريًا للاحتفاء بالنقد المسرحي العربي، من خلال ندوة فكرية بعنوان "نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي"، بمشاركة 12 باحثًا من عدة دول عربية، اختيروا من بين عشرات الأبحاث المتقدمة. وتناقش الندوة قضايا المصطلح، والخصوصية، وإعادة تأصيل أدوات النقد المسرحي، في محاولة لبناء مشروع نقدي عربي أكثر تماسكًا.

وتواكب العروض ندوات نقدية تطبيقية يشارك فيها نقاد وباحثون من مختلف البلدان العربية، في حوار مباشر مع التجارب المسرحية المشاركة، بما يعزز التفاعل بين الإبداع والتنظير.

ويتضمن المهرجان تنظيم ست ورش تدريبية في الإسكندرية والإسماعيلية وأسوان، تستهدف تطوير مهارات الشباب والممارسين، إلى جانب إصدار مجموعة من الكتب المتخصصة، وإقامة معرض لإصدارات الهيئة العربية للمسرح، وتوقيع عشرات الكتب الجديدة.

كما تحظى فعاليات المهرجان بتغطية إعلامية موسعة، مع بث مباشر يومي يمتد لساعات طويلة، وتوثيق شامل للعروض والندوات، في تأكيد على تحول المهرجان إلى منصة عربية جامعة للحوار المسرحي.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المهرجان، لا تتوقف الفعاليات عند حفل الختام في 16 يناير/كانون الثاني الجاري، بل يعقبه انطلاق الدورة الخامسة من "الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة" خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير/كانون الثاني، بمشاركة عروض عربية متنوعة، وجلسات فكرية تطبيقية، وتكريم لعدد من رواد هذا الفن، إضافة إلى معرض متخصص لفنون العرائس.

وبهذا الزخم الفني والفكري، تؤكد الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي أن القاهرة ليست مجرد مدينة تستضيف العروض، بل فضاء ثقافي جامع، يفتح أسئلته على الحاضر والمستقبل، ويعيد للمسرح دوره بوصفه مرآة للإنسان العربي وهمومه وتحولاته.