المغرب يصنع الواقعية والجزائر تفقد ترف القطيعة

الكرة في ملعب الجزائر: إما واقعية سياسية تُعيد البلد إلى ساحة الفاعلين، أو عزلة متزايدة في منطقة لا تحتمل ترف الانقسام.

في لحظة مفصلية من تاريخ العلاقات المغاربية، تبدو المصالحة بين المغرب والجزائر حتمية ملحّة تفرضها التغيرات الجيوسياسية بعيدا عن سردية المؤامرة التي لطالما تمسك بها النظام الجزائري في صناعة أعداء وهميين.

بمنطق الربح والخسارة تبدو الجزائر الخاسر الأكبر من سياسة العناد وصناعة الأعداء والتمسك بأوهام تفككت على صخرة الواقعية المغربية.

المشهد الراهن بتجلياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ميزان "الربح والخسارة" يظهر بكل وضوح أن النظام الجزائري فقد بالفعل هامش المناورة الذي مكنّه طوال عقود من إطالة أمد القطيعة والعداء المجاني للمملكة. هذه الخسارة في المساحة السياسية والدبلوماسية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكم سياسات وعناد دفع البلد نحو عزلة متزايدة، بينما استثمرت الرباط في بناء استراتيجية تختلف جذريًا قائمة على سياسة اليد الممدودة وتبتعد عن التصعيد وتعتمد رؤية عملية لا خطاباً استعراضيًا.

المغرب ارتكز في نهجه على قناعة واضحة: أن استقرار المنطقة مرهون بتعاون مغاربي جاد، لا بتوظيف الخلافات كأدوات داخلية أو إقليمية. على هذه القاعدة، قدّم العاهل المغربي الملك محمد السادس، مقاربات عملية قائمَة على الاحترام المتبادل ومبدأ السيادة — قواعد بدت ضرورية لإرساء علاقات جوار متينة تخدم مصالح الشعبين.

هذه الرؤية لم تكتفِ بشعارات؛ بل ترافقت مع مبادرات تنموية واستثمارية وسياسية داخلية وخارجية هدفت إلى تحويل الأقاليم الجنوبية للمملكة إلى محرك اقتصادي واستراتيجي يربط المغرب بجيرانه والساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

ولا يمكن قراءة واقع اليوم بمعزل عن نجاح المغرب في تفكيك الطرح الانفصالي الذي روّجت له جبهة بوليساريو بدعم جزائري. على الأرض، نجحت الرباط في تحويل النقاش الدولي من منطق الصراع إلى منطق الحل العملي: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخارطة طريق قابلة للتطبيق تمنح حقوقاً وتنمية للشعب الصحراوي وتضع حداً لسجالات استنزفت المنطقة خمسين عاماً. هذه المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية أكسبت المملكة صدقية القول والفعل واستقطبت شركاء إقليميين ودوليين وجعلت من مقاربته خيارا واقعياً لا مجرد خطاب.

في المقابل، دفعت الدبلوماسية الجزائرية إلى عزلة متزايدة. اختلاق عدو وهمي واستحضار سردية المؤامرة لم يعودا يجديان نفعا في ظل تغير موازين القوى الإقليمية والدولية. الجزائر، التي راهنت على استغلال النزاع كأداة نفوذ، تجد اليوم أن تلك الأداة التي استهلكتها لم تعد تعمل كما كانت.

العناد في السياسة الخارجية ورفض الاعتراف بالواقع الجديد يجعلها في موقف هشّ لا يواكب التحولات الاستراتيجية في المنطقة: تنامي التهديدات الأمنية في الساحل، التحولات الدولية في مواقف العديد من الدول الكبرى، وتزايد الاهتمام الاستثماري في مشاريع المغرب التنموية.

المغرب، من جانبه، لم يساهم في تأزيم الوضع بإغلاق الحدود أو اختلاق مبررات لعرقلة العلاقات بل حافظ على موقف معتدل ومتوازن يحفظ أمنه وسيادته كثابت وطني وكخط أحمر ضمن رؤية ملكية ثابتة ومتينة، فقد دعا إلى حوار عقلاني ومشروع للتعاون المغاربي يخدم تطلعات شعوب المنطقة. هذه المرونة ليست ضعفا، إنها استراتيجية واعية تبني على قوة داخلية واقتصادية ودبلوماسية تُترجم رؤية استشرافية تتجاوز النزاعات التقليدية إلى استثمار في الأمن والتنمية.

النظام الجزائري بحاجة اليوم إلى مراجعة شاملة لسياسته ودبلوماسيته. الخروج من فخ العداء ليس تخليًا عن استقلال القرار، بل استعادة للفعالية الإقليمية بدلاً من إضاعة موارد سياسية واقتصادية في صراعات صفرية، يمكن للجزائر أن تعيد بناء حضورها عبر تعاون عملي مع جارتها: شراكات أمنية لمواجهة الإرهاب في الساحل، مشاريع اقتصادية تربط البنى التحتية، واتفاقات تجارية تخدم شعبي البلدين.

الوقائع تقول إن مصالحة فعلية مع المغرب لم تعد خيارًا محتملاً بقدر ما هي حتمية سياسية واقتصادية لدى النظام الجزائري، إذ لم يعد بمقدوره تحمل تكاليف استمرار العداء بلا طائل. وعلى مستوى المغرب، فإن اليد الممدودة والرؤية العملية للملك محمد السادس وضعتا الرباط في موقع قيادي إقليمي موثوق وشريك دولي مهم. أما الكرة، فتبقى في ملعب الجزائر: إما الواقعية السياسية التي تُعيد البلد إلى ساحة الفاعلين، أو عزلة متزايدة في منطقة لا تحتمل رفاهية الانقسام.