المكون الجمالي في شعر القباحي.. نظرية كامنة بين اللغة والصورة والإيقاع
ينطلق الناقد د.محمد زيدان في كتابه "نظرية المكون الجمالي في نصوص حسين القباحي الشعرية" من أن الشاعر حسين القباحي شاعر أقام مشروعه الإبداعي كله على أساس جمالي متين، فجعل من الجمال جوهر القصيدة لا زخرفها. فالقباحي، في رؤيته، لا يكتب شعرًا للزينة البلاغية، بل يعيد صياغة العالم من خلال حساسية جمالية خاصة، تجعل اللغة جسدًا حيًا، والصورة مركز إشعاع للمعنى، والإيقاع روحًا خفية تحكم نَفَس النص. إنه شاعر يرى أن الشعر فعل جمال ومعرفة في آن واحد، وأن القصيدة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فضاء مفتوح للتأمل والتلقي، حيث تلتقي الذات بالعالم، ويولد المعنى من جديد مع كل قراءة.
من هنا يحدد زيدان مسار كتابه الصادر عن دار الأدهم باعتراف جوهري حين يقول "لقد كان اهتمامي بالمكون الجمالي في النصوص الشعرية للشاعر حسين القباحي نابعًا من يقين بأن الجمال ليس مجرد إطار خارجي يزيّن القصيدة، بل هو بنية داخلية تتشكل منها الرؤية الشعرية ذاتها. فالشعر عند القباحي لا يقوم على زخرفة لغوية ولا على ترف بلاغي، وإنما ينطلق من رؤية للعالم تُعاد صياغتها عبر الجمال، ليصبح الجمال بذلك ليس غاية في ذاته، بل أداة للمعرفة والتأمل".
هذه الجملة تؤكد أننا أمام قراءة نقدية تجعل الجمال مفتاحًا لفهم الشعر نفسه، بل لفهم علاقة الشعر بالوجود. يقول زيدان "إن دراسة المكون الجمالي في شعر القباحي ليست بحثًا في الزينة، بل محاولة لتشريح البنية العميقة التي تمنح النص قوته وتماسكه. فالمكون الجمالي عنده هو الذي يحول اللغة من أداة للتواصل إلى فضاء للرؤيا، ومن جملة تقريرية إلى كون يتشكل عبر الانزياح والرمز والإيقاع". إننا هنا أمام رؤية تجعل الجمال مركزًا لا هامشًا، وجوهرًا لا غلافًا. ولعل ما يميز هذه المقاربة أنها ترى في المكون الجمالي طاقة تأسيسية للنص، وليست مجرد إضافة لاحقة".
ويوضح "حين نتأمل نصوص القباحي ندرك أن الشعر لديه هو فن إعادة إنتاج الواقع من خلال حساسية جمالية خاصة، وأن المكون الجمالي ليس عارضًا بل هو جوهر التجربة. من هنا، تأتي هذه الدراسة لتتبع كيف يتأسس هذا المكون، وكيف ينسج علاقاته بالنص، وكيف يتحول إلى نظرية فنية متكاملة يمكن أن تُقرأ في ضوء منجزه الشعري". هنا تتضح ملامح مشروع نقدي يروم أن يستخرج من نصوص شاعر محدّد نظرية جمالية كامنة، لم يصرّح بها الشاعر في كتاب نظري، بل تركها تنمو من بين أبياته وصوره وإيقاعاته.
ويؤكد زيدان "إن هذه الدراسة ليست مجرد رصد للصور أو الإيقاعات أو التراكيب الجمالية، وإنما هي محاولة للكشف عن نظرية كامنة في نصوص القباحي، نظرية ترى أن الشعر جمال في جوهره، وأن كل عناصر القصيدة تتساند لتصنع هذا الجمال: من اختيار المفردة، إلى بناء الصورة، إلى تشكيل الإيقاع، إلى نسج الدلالة. إنها نظرية المكون الجمالي التي لم يصرّح بها القباحي في كتاب نقدي، بل صاغها شعرًا في قصائده". هكذا ينكشف المنطلق: المؤلف لا يفرض نظرية جاهزة على النصوص، بل يستنطق النصوص حتى تكشف عن نظريتها الخاصة.
في الفصول الأولى من كتابه، يوضح زيدان أن التعامل مع المكون الجمالي عند القباحي لا يعني الركون إلى قوالب نظرية مكررة، إذ يقول "حين نتناول المكون الجمالي في نصوص حسين القباحي، فإننا لا نلجأ إلى قوالب جاهزة، وإنما نسعى إلى قراءة النصوص في ضوء ما تفرزه من دلالات جمالية خاصة بها. فالمكون الجمالي ليس فكرة مسبقة تُفرض على النص، بل هو خلاصة ما يفيض به النص من طاقات إيحائية وصورية وإيقاعية".
بهذا يرسّخ زيدان منهجًا نقديًا يقوم على الانطلاق من النصوص ذاتها، لا من خارجها. ويتابع موضحًا أن "هذا المكون قد تشكّل عبر مسارين متداخلين "لقد تشكل المكون الجمالي في شعر القباحي عبر مسارين متداخلين: الأول هو المسار التراثي الذي يستمد من الموروث الشعري العربي بعض آلياته وأدواته، والثاني هو المسار الحداثي الذي يتبنى الانزياح والرمز والتكثيف. ومن هذا التداخل يولد جمال خاص لا يمكن نسبته خالصًا للقديم أو للحديث، بل هو تركيب يعبّر عن خصوصية القباحي الشعرية". هنا يضعنا أمام ثنائية الأصالة والمعاصرة، وكيف تتحول في شعر القباحي إلى تفاعل خلاّق يولّد جمالًا مغايرًا.
أما الصورة الشعرية، فهي الركيزة الأولى لهذا الجمال. يقول زيدان "إن الصورة الشعرية تمثل عند القباحي الركيزة الأولى للمكون الجمالي. فهي ليست محاكاة للواقع، بل إعادة صياغة له عبر مخيلة متوثبة. في قصائده تتحول الصورة إلى مركز إشعاع دلالي، تتفرع منه الإيحاءات وتتشابك الرموز. الصورة ليست إطارًا زخرفيًا، بل هي أداة لتكثيف المعنى وخلقه من جديد". بهذا يضعنا أمام تصور يختلف جذريًا عن النظرة التقليدية للصورة.
ولا يقف زيدان عند حدود الصورة فقط، بل يتسع ليشمل الإيقاع، إذ يلفت إلى أنه "لا يقف المكون الجمالي عند حدود الصورة وحدها، بل يتسع ليشمل الإيقاع. فالإيقاع عند القباحي ليس مجرد وزن موسيقي، وإنما هو طاقة داخلية تحكم نَفَس القصيدة وتمنحها نبرة خاصة. أحيانًا يتجسد هذا الإيقاع في تفعيلة منضبطة، وأحيانًا في انكسارات حرة، لكن في الحالتين يظل الإيقاع هو المنظّم الخفي لجمال النص". هكذا يكشف أن الإيقاع ليس قالبًا عروضيًا جامدًا، بل طاقة تولّد خصوصية النص.
ويتقدم زيدان إلى العنصر الثالث، اللغة، ويقول "من بين أبرز عناصر المكون الجمالي أيضًا: اللغة الشعرية ذاتها. فالقباحي يختار ألفاظه بعناية، بحيث تكون كل كلمة محملة بطاقة دلالية وإيحائية، فلا نجد كلمة عابرة أو حيادية. اللغة تتحول إلى جسد شعري حي، يتنفس عبر المفردات ويهتز بالصور ويغتني بالإيقاعات". وهذا توصيف يكشف عمق العناية ببناء المعجم الشعري.
وحين يوسع النظر إلى الرموز والدلالات، يوضح أن الجمال لا يقتصر على الحسّيات، بل يتسع ليشمل الأبعاد الفكرية، يشير "إذا كانت الصورة والإيقاع واللغة هي المكونات الأساسية للجمال في شعر القباحي، فإننا في هذا الفصل ننتقل إلى مستوى آخر أكثر عمقًا، هو البعد الرمزي والدلالي الذي يرفد النصوص بطاقة جمالية إضافية. فالشعر عند القباحي ليس وصفًا مباشرًا، بل هو بناء رمزي يفتح أفق المعنى ولا يغلقه".
ويمضي زيدان مفسرًا طبيعة الرمز عند القباحي، "إن الرمز في قصائد القباحي ليس ترفًا بلاغيًا، وإنما ضرورة شعرية تفرضها طبيعة الرؤية. فهو يستخدم الرمز ليكثف التجربة ويجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة. الرمز هنا لا يغلق الدلالة في اتجاه واحد، بل يجعلها نهرًا متشعبًا. وهذا ما يمنح شعره قوة البقاء والقدرة على إعادة إنتاج نفسه عبر القراءات المختلفة".
ويرصد تنوّع الرموز مؤكدا أن "الرمز عند القباحي يتنوع بين رموز طبيعية (كالماء، والريح، والشجر) ورموز تاريخية وثقافية (كالموروث العربي والإسلامي)، بل وأحيانًا رموز كونية شمولية (كالموت والحياة والنور والظلام). وفي كل هذه الحالات، يظل الرمز أداة جمالية ودلالية تشتغل في خدمة الرؤية الشعرية". إننا هنا أمام شاعر يجعل من الرمز جسرًا بين الفردي والكوني، بين الذاتي والجماعي.
ويتوقف زيدان عند البعد الجدلي بين الجمال والذات، إذ يرى أن "المكون الجمالي في شعر القباحي قد تجلى في الصورة والرمز والإيقاع والدلالة، لذا كان من الأهمية أن نتوقف أمام بعد آخر أكثر تركيبًا: هو العلاقة الجدلية بين الجمال والذات. فالنص عند القباحي ليس فضاءً محايدًا، بل هو انعكاس لذات شاعرية تعيد بناء العالم من جديد". ويتابع "إن الذات في نصوص القباحي ليست ذاتًا مغلقة على خصوصيتها الفردية، بل هي ذات منفتحة على الآخر، على الجماعة، وعلى الوجود في معناه الكوني. ولهذا فإن المكون الجمالي يكتسب بعده الأصيل من هذا الانفتاح. فالجمال ليس انعكاسًا للذات وحدها، بل هو لقاء بين الذات والعالم".
يضيف "كما أن المكون الجمالي ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الذات، بل هو في الوقت نفسه وسيلة لتشكيلها. فالذات الشاعرة لا تسبق النص، بل تتخلق داخله. كل قصيدة هي لحظة ميلاد جديد للذات، وكل نص يعيد صياغة هوية الشاعر في ضوء ما ينتجه من جمال". إننا هنا أمام مفهوم عميق يجعل النص فضاءً لتكوين الذات، لا مجرد مرآة لها.
وفي مرحلة لاحقة من تحليله، يذهب زيدان إلى أن المكون الجمالي عند القباحي قد تجاوز حدود التقنية إلى بناء نظرية جمالية متكاملة، "حين نتقدم في قراءة نصوص القباحي، يتضح لنا أن المكون الجمالي لا يقتصر على كونه أداة تعبيرية أو وسيلة لصياغة التجربة، بل يتحول إلى ما يمكن أن نسميه نظرية جمالية متكاملة. فالجمال في نصوصه ليس جزءًا من البنية فحسب، وإنما هو البنية ذاتها".
ويعزز هذا الطرح مؤكدا أن "هذه النظرية انبثقت من داخل النصوص لا من خارجها. فلم يكتب القباحي بيانًا شعريًا أو تنظيرًا نقديًا، لكنه صاغ رؤيته للجمال من خلال القصيدة نفسها. وهذا ما يمنحها قوة وصدقية، لأنها رؤية مُعاشة وليست مفروضة." ومن ثم يحدد أبعاد هذه النظرية: "إن المكون الجمالي عند القباحي قائم على ثلاثية أساسية: اللغة، الصورة، والإيقاع. وهذه الثلاثية لا تعمل بشكل منفصل، بل تتساند في ما بينها لتشكّل نسيجًا واحدًا. فاللغة هي مادة الجمال، والصورة هي شكله، والإيقاع هو روحه".
ويبلغ التحليل ذروته حين يوضح زيدان أن هذه النظرية لا تُقصي الفكر، بل تعانقه: "لكن النظرية الجمالية عند القباحي لا تقف عند حدود التقنية، بل تتجاوزها إلى الرؤية. فالجمال عنده ليس مجرد إتقان للّفظ أو براعة في التصوير، وإنما هو وسيلة لفهم العالم وإعادة بنائه. إنه أداة للتأمل ولطرح الأسئلة، لا للزينة والديكور".
أما البعد التفاعلي، فهو محور أساسي في التجربة، إذ يتوقف زيدان مع هذا البعد كاشفا أن "الجمال في نصوص القباحي لا يكتمل داخل النص وحده، بل يظل مفتوحًا على القارئ، الذي يعد جزءًا من العملية الإبداعية ذاتها". ويضيف "لقد كتب القباحي نصوصه بوصفها دعوة للتأمل والمشاركة، بحيث لا يكتفي القارئ بالتلقي السلبي، وإنما يجد نفسه مدعوًا إلى إعادة إنتاج المعنى. فالمكون الجمالي هنا لا يعمل في عزلة، بل يعمل كحافز يحرك خيال القارئ ويستفز وعيه. وهذا ما يجعل النصوص قابلة للقراءة المتجددة في كل مرة".
في الفصل الأخير من كتابه يصل زيدان إلى خلاصة شاملة، مؤكدا "إن المكون الجمالي في نصوص حسين القباحي لا يمكن النظر إليه كزينة إضافية للنص الشعري، بل هو جوهر التجربة ولبّها. لقد أثبتت قراءتنا أن القباحي أقام مشروعه الشعري على أسس جمالية متينة، جعلت من قصائده فضاءً رحبًا للتأمل، ومجالًا متجددًا للتلقي". ويتابع "لقد تشكلت أمامنا، من خلال نصوص القباحي، نظرية جمالية متكاملة، وإن لم تُكتب بشكل مباشر. نظرية تنبني على أن الشعر هو فعل جمالي في جوهره، وأن كل عناصر القصيدة – من اللغة إلى الصورة إلى الإيقاع – تتضافر لتشكيل هذا الجوهر. كما أن هذه النظرية ترى أن الجمال ليس نقيضًا للفكر، بل شريكًا له في مساءلة العالم وإعادة بنائه".
ويختم زيدان "إن شعر القباحي يثبت أن الجمال هو المعادل الحقيقي للوجود، وأن القصيدة لا تكون قصيدة إلا إذا كانت مشبعة بهذا المكون. فالجمال ليس إضافة، بل هو شرط الوجود الشعري ذاته. ومن هنا، فإن النظرية الجمالية التي تنبثق من نصوصه تمثل إضافة حقيقية إلى فهمنا للشعر العربي المعاصر، وتفتح أفقًا جديدًا لقراءة التجارب الشعرية في ضوء المكون الجمالي".