الملك الأمنحتب الثالث يصافح الزوار بعد قرنين من اكتشافه
القاهرة– بعد مرور نحو 226 عامًا على اكتشافها، تُفتتح السبت مقبرة ملكية نادرة تعود للملك أمنحتب الثالث في مدينة الأقصر التاريخية بجنوب مصر، في حدث يُعد استثنائيًا في عالم الآثار. تقع المقبرة في وادي الملوك، الذي احتضن رفات أهم ملوك مصر القديمة منذ الأسرة الثامنة عشر وحتى الأسرة العشرون، وتُعد واحدة من أكثر المقابر ثراءً بالزخارف والنصوص الدينية.
ويترأس وزير السياحة والآثار المصرية، شريف فتحي، مراسم الافتتاح بحضور كبار المسؤولين في محافظة الأقصر والمجلس الأعلى للآثار، بعد نحو عشرين عامًا من أعمال الترميم والصيانة المكثفة بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) والحكومة اليابانية، والتي هدفت إلى إعادة المقبرة إلى رونقها الأصلي والحفاظ على نصوصها ونقوشها البارزة.
وأكد الوزير أن افتتاح المقبرة يشكل حدثًا عالميًا يعكس الجهود المصرية المستمرة في حماية التراث الإنساني، مشيرًا إلى أن مشروع الترميم كشف عن تفاصيل معمارية وفنية دقيقة لم تكن مرئية بوضوح عند الاكتشاف الأول عام 1799، مثل التزيينات الجدارية التي تصور الطقوس الجنائزية، ومشاهد من الحياة اليومية، ومراسيم عبادة الآلهة، بالإضافة إلى نصوص من كتاب إمي دوات الذي يصف رحلة الملك المتوفى إلى العالم الآخر.
تفاصيل معمارية وفنية دقيقة لم تكن مرئية بوضوح
ويعد الملك أمنحتب الثالث أحد أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشر، فقد شهد عهده ازدهارًا غير مسبوق في البناء والفنون، وشيد الجزء الأهم من معبد الأقصر، وقدم إضافات هامة لمعبد الكرنك، وأنجز التمثالين الشهيرين لممنون، إلى جانب العديد من المنشآت والمعالم التي تنتشر في مختلف أرجاء مصر، مما جعله رمزًا للثراء الثقافي والفني للمملكة المصرية القديمة.
ويُعتبر افتتاح المقبرة بعد أكثر من قرنين على اكتشافها حدثًا نادرًا على المستوى العالمي، إذ غالبًا ما تُفتح المقابر الملكية القديمة مباشرة بعد اكتشافها، أو تُحفظ لفترات قصيرة قبل أعمال الترميم. على سبيل المثال، مقبرة توت عنخ آمون التي اكتشفها هوارد كارتر عام 1922، فُتحت على نطاق محدود للباحثين بعد عدة سنوات، بينما بقيت مقابر أخرى في وادي الملوك لسنوات طويلة مغلقة لحماية نقوشها وهياكلها من التلف.
ويأتي هذا الافتتاح أيضًا ضمن سياق دولي أكبر، حيث تتنافس دول عديدة على ترميم وصون مواقعها الأثرية بما يعكس حضاراتها القديمة ويجذب السياحة العالمية، مثل افتتاح متحف الأكروبوليس في اليونان بعد سنوات من الترميم، أو إعادة فتح مقابر النبلاء في بيرو وإيطاليا بعد مشاريع صيانة دقيقة. وفي هذا الإطار، تُبرز مصر نفسها كلاعب رئيسي في مجال حماية التراث الإنساني، ليس فقط كمصدر للآثار العريقة، بل أيضًا كمعيار للترميم الدقيق والصيانة المستدامة.
وتسعى الحكومة المصرية إلى ربط افتتاح المقبرة بخطط أوسع لتطوير وادي الملوك والمناطق الأثرية المجاورة، من خلال توفير مرافق سياحية حديثة، وعروض رقمية تفاعلية، وبرامج تعليمية تُظهر للعالم عبقرية الحضارة المصرية القديمة، لتكون الأقصر وجهة عالمية للباحثين والسياح على حد سواء، ولتعزيز مكانتها كأكبر متحف مفتوح في العالم.