المليون صوت الذهبي يكرّس وجاهة الرؤية ويعزز الثقة في القيادة الكردية

المليون صوت الذهبي لم يكن رقما انتخابيا فحسب، بل تعبيرا عن وعيٍ شعبيٍّ ناضجٍ بضرورة الاستمرار في مشروع الاستقرار والبناء الذي تتبناه القيادة الكردية.

أربيل - يشكّل الفوز الكاسح الذي حققه الحزب الديمقراطي الكردستاني في الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة، بتخطيه حاجز المليون صوت، أكثر من مجرد انتصار انتخابي تقليدي. إنه استفتاء شعبي على القيادة الكردية ممثلة بالثلاثي مسعود بارزاني، نيجيرفان بارزاني، ومسرور بارزاني، الذين استطاعوا أن يحولوا الإقليم، رغم كل العقبات التي فرضتها بغداد، إلى نموذج سياسي وتنموي متماسك في محيط عراقي وإقليمي مضطرب.

لقد جاءت نتائج الاقتراع لتؤكد أن الثقة الشعبية بالحزب الديمقراطي ليست ثمرة حملة انتخابية ظرفية، بل نتاج مسار طويل من الإدارة الواعية والتخطيط الاستراتيجي الذي نجح في تحقيق التوازن بين ضرورات الحكم في الإقليم ومتطلبات العلاقة المعقدة مع الحكومة المركزية. فحينما سعت بعض القوى السياسية في بغداد إلى فرض سياسة التعطيل وقطع الموارد والرواتب للضغط على الإقليم، كانت القيادة الكردية تشتغل بعقل الدولة لا بردّات الفعل، فحوّلت الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها الاقتصادية والأمنية والإدارية.

تحت قيادة هذا الثلاثي، تمكّن الإقليم من تثبيت الاستقرار الداخلي وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة، رغم العقوبات المالية والحصار السياسي غير المعلن الذي واجهه. وبدلاً من أن تكون الأزمات سبباً في انقسام الداخل الكردي، أصبحت عاملاً محفّزاً على توحيد الصفوف وترسيخ الثقة بين المواطن والحكومة. فالناخب الكردي الذي منح صوته للحزب الديمقراطي إنما عبّر عن تقديره لمنظومة قيادة أثبتت نضجها في إدارة الملفات الحساسة، من الأمن والاقتصاد إلى العلاقات الخارجية.

لقد كان واضحاً أن “المليون صوت الذهبي” لم يكن تصويتاً حزبياً بقدر ما كان تفويضاً شعبياً للقيادة البارزانية للاستمرار في مسارها الواقعي والبراغماتي. فقد أدرك المواطن الكردي، بعد سنوات من التجاذب مع بغداد، أن ضمان الحقوق الدستورية والسياسية والاقتصادية لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر الحنكة السياسية والقدرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، وهي صفات تجسدت في أداء القادة الثلاثة الذين نجحوا في تجنيب الإقليم أزمات كانت لتقوّض استقراره لولا تماسك القرار ووحدة الرؤية.

منذ تأسيس إقليم كردستان، شكّل مسعود بارزاني المرجعية التاريخية والسياسية للحركة الكردية، واضعاً أسس الدولة الحديثة في الشمال العراقي، فيما حمل نيجيرفان بارزاني مسؤولية ترسيخ موقع الإقليم على الخريطة الدبلوماسية والإقليمية، وبناء جسور الثقة مع بغداد والعواصم المجاورة. أما مسرور بارزاني، فقد جسّد الجيل الإداري الجديد الذي ركّز على تطوير المؤسسات، ومحاربة الفساد، وإطلاق مشاريع تنموية عززت مناعـة الإقليم الاقتصادية وجعلت أربيل نموذجاً في الاستقرار الإداري والأمني مقارنة ببقية المحافظات العراقية.

هذا التكامل بين التجربة التاريخية والرؤية السياسية والإدارة الحديثة جعل من القيادة الكردية الثلاثية محور وحدة الإقليم ورمزاً للتماسك في مرحلة إقليمية حرجة. فبينما شهدت الساحة العراقية انقسامات حادة وصراعات مذهبية وسياسية عطّلت القرار الوطني، نجح إقليم كردستان في الحفاظ على تماسكه الداخلي وتطوير شراكاته مع مختلف القوى، مستنداً إلى واقعية سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة سواء داخل الإقليم أو في علاقاته مع بغداد.

الفوز الساحق للحزب الديمقراطي الكردستاني يحمل كذلك رسالة سياسية مزدوجة؛ داخلية وخارجية. داخلياً، أكد أن المواطن الكردي لا يزال يثق في المشروع الوطني الذي يقوده الحزب وقياداته، ويرى فيه ضمانة للاستقرار والازدهار. أما خارجياً، فقد وجّه رسالة واضحة إلى بغداد مفادها أن الإقليم ماضٍ في تعزيز موقعه ضمن الاتحاد العراقي على قاعدة الشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل، لا التبعية أو الإملاء.

لقد أثبتت التجربة أن القيادة الكردية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى قصة نجاح متواصلة. فعندما حاولت قوى المركز تقويض تجربة الإقليم أو استخدام الورقة الاقتصادية كسلاح سياسي، كان الرد في صناديق الاقتراع، حيث حوّل المواطن الكردي سياج المعاناة إلى رصيد من الثقة الشعبية منح الحزب الديمقراطي تفويضاً واضحاً للاستمرار في نهجه الوطني الواقعي.

إن هذا الانتصار لا يعزز فقط مكانة الحزب الديمقراطي في المعادلة العراقية، بل يرسّخ أيضاً مكانة إقليم كردستان كأنموذج في الإدارة السياسية المتوازنة، ويؤكد أن القيادة "البارزانية" قادرة على قيادة الإقليم إلى بر الأمان، وصياغة معادلة جديدة في العلاقة مع بغداد قائمة على التعاون لا التصادم، وعلى الشراكة لا التبعية.

في النهاية، فإن "المليون صوت الذهبي" لم يكن رقماً انتخابياً فحسب، بل تعبيراً عن وعيٍ شعبيٍّ ناضجٍ بضرورة الاستمرار في مشروع الاستقرار والبناء الذي تتبناه القيادة الكردية. فالفوز الكاسح هو رسالة من الشعب إلى قيادته مفادها: أن ما بدأته من بناء دولة مؤسسات وإدارة رشيدة، يجب أن يستمر حتى يكتمل حلم كردستان الآمنة، القوية، والشريكة الفاعلة في مستقبل العراق الاتحادي.