الموصل تطوي صفحة داعش بافتتاح السوداني لجامع النوري

السوداني يفتتح كنيسة الطاهرة للسريان الكاثوليك وكنيسة الساعة للآباء الدومينيكان اللتين تضررتا بفعل عمليات 'داعش' كمؤشر على عودة التسامح.

الموصل - افتتح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الاثنين، جامع النوري الكبير في مدينة الموصل، شمالي البلاد، بعد سنوات من تدميره على يد تنظيم "داعش" الإرهابي خلال معارك استعادة المدينة عام 2017.
وأدى السوداني صلاة الظهر داخل الجامع المُعاد ترميمه، والذي يُعدّ أحد أقدم وأهم معالم العراق الإسلامية، إذ يعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس الهجري على يد القائد نورالدين زنكي. ويُمثل هذا الافتتاح، وفق مراقبين ومواطنين، أكثر من مجرد حدث عمراني؛ فهو بمثابة إعلان رمزي عن هزيمة التنظيم المتطرف وبدء مرحلة جديدة من عودة الحياة إلى مدينة لطالما عانت من العنف والتطرف.

واكتسب الجامع، الذي كان يشتهر بمنارته الحدباء التي أصبحت رمزًا للموصل، أهمية رمزية مضاعفة بعد أن أعلن زعيم "داعش" أبوبكر البغدادي من على منبره في 2014 ما سُمّي حينها بـ"الخلافة". وعندما بدأت المدينة تتهاوى من تحت سيطرة التنظيم، لجأ إلى تفجير الجامع في يونيو/حزيران 2017، في محاولة منه لمحو الرمز الذي ارتبط بإعلان مشروعه المتطرف.
واليوم، بعد مرور أكثر من سبع سنوات على التحرير، تأتي عودة جامع النوري كبداية فعلية لاستعادة روح الموصل، وكنقطة توازن بين الماضي العريق والمستقبل الذي يريده العراقيون مختلفًا.
ويعرف الموصليون جامع النوري بالجامع الكبير، وهو ثاني أقدم مسجد في المدينة بعد الجامع الأموي، وكان على مدار قرون محورًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا. أما منارته الشهيرة، المعروفة بالحدباء، فكانت أبرز معالم الموصل، وتحوّلت إلى هوية بصرية للمكان قبل أن يُفجّرها التنظيم، في واحدة من أكثر لحظات الألم في ذاكرة المدينة.
تفجير الجامع لم يكن مجرد عمل عسكري، بل كان إعلانًا بانهيار مشروع "داعش" الذي قام على الدم والرموز. واليوم، مع إعادة بناء الجامع وافتتاحه رسميًا، يشعر كثير من السكان أن مدينتهم استعادت شيئًا من روحها التي غابت لسنوات.
وفي لفتة تعكس البعد الشمولي للعملية، شمل افتتاح السوداني أيضًا كنيستي "الطاهرة" للسريان الكاثوليك و"الساعة" للآباء الدومينيكان، اللتين تعرضتا للتدمير على يد التنظيم المتشدد. وهو ما رآه محللون خطوة مهمة نحو إعادة ترميم النسيج الاجتماعي والديني المتنوع في المدينة.

ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه العراق تحسنًا أمنيًا نسبيًا، مقارنةً بالسنوات التي أعقبت هزيمة "داعش" في المدن الكبرى. فقد انخفضت وتيرة الهجمات، ونجحت القوات العراقية في تفكيك عدد من الخلايا النائمة، خاصة في مناطق ديالى وكركوك وصلاح الدين.
لكن، ورغم هذا التحسن، لا تزال هناك مخاوف واقعية من إعادة تنظيم الصفوف في مناطق جبلية وصحراوية نائية، خصوصًا على الحدود مع سوريا، حيث لا تزال بعض الخلايا المتطرفة تنشط بأساليب "الضرب والاختفاء".
وتشير تقارير دولية، من بينها تقارير للأمم المتحدة، إلى أن التنظيم لا يزال يحتفظ بنحو 2000 عنصر نشط بين العراق وسوريا، ويُراهن على استغلال أي فراغ أمني أو سياسي لإعادة التموضع، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار تحديًا مستمرًا.
ورغم استمرار التحديات، فإن إعادة افتتاح جامع النوري يُعدّ علامة فارقة في طريق الموصل نحو التعافي، ليس فقط على مستوى البنى التحتية، بل على صعيد الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية.