النزيف الصامت في قرى الحزام الحدودي... هل يفقد جنوب لبنان روحه البشرية
لم يعد الحديث في القرى الحدودية لجنوب لبنان يدور حول الرابح والخاسر في الجولات العسكرية، بل تراجع هذا النقاش أمام تساؤل أكثر واقعية وإلحاحاً: من تبقّى في هذه القرى، ومن يملك القدرة على الاستمرار فيها؟ فخلف بيانات المواجهة والتحليلات السياسية، تشهد المنطقة تحولاً ديموغرافياً واجتماعياً حاداً، حيث تفرغ البلدات تدريجياً من سكانها وسط انشغال القوى المحلية والدولية بترتيبات الميدان والتوازنات السياسية، فيما الواقع الراهن يتجاوز مجرد كونه أزمة أمنية مؤقتة، إذ يعبر عن غياب تام للاستقرار والتخطيط للمستقبل. فالعديد من القرى والبلدات تعيش حالة من الشلل شبه الكامل، فالمدارس والمعاهد المهنية، وإن فتحت أبوابها بشكل متقطع، تعاني من غياب الطلاب والأساتذة بسبب النزوح المستمر وخوف الأهالي على سلامة أولادهم. كما أن القطاع الزراعي، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، تلقى ضربات قاسية نتيجة القصف واستهداف الأراضي بالفسفور والألغام، مما جعل مساحات واسعة غير قابلة للاستثمار أو خطرة جداً للوصول إليها.
أما الأسواق المحلية والمحال التجارية الصغيرة، فقد أغلقت أبوابها بعد تراجع القدرة الشرائية ونفاد المخزون، والعديد من العائلات التي تمسكت ببيوتها طوال العقود الماضية باتت تفكر جدياً في الانتقال الدائم نحو العاصمة أو مغادرة البلاد.
وما يضاعف من مرارة هذا الواقع وشعور القلق لدى الأهالي، هو الإدراك الشعبي المتزايد بأن الجنوب، ولبنان بأسره، قد جُرّ وزُجّ في أتون هذه الحرب رغماً عنه وبقرار لم تشارك فيه الدولة ولم يختره اللبنانيون، بل فُرض عليهم ضمن حسابات وصراعات إقليمية. هذا الانخراط القسري في معركة مفتوحة جعل أبناء القرى الحدودية يشعرون بأنهم تحولوا إلى وقود لمواجهة لا أفق زمنياً لها، وأن تضحياتهم وبيوتهم وأرزاقهم تُستهلك في مسار عسكري لم يُستشاروا فيه، مما أضعف الحاضنة الاجتماعية لخيارات الحرب وزاد من حدة التساؤلات حول جدوى دفع هذا الثمن الباهظ من دماء ومستقبل أهل الأرض.
وتبدو هذه الموجة من النزوح مختلفة عن الهجرات المؤقتة السابقة التي شهدها لبنان في أوقات الحروب، فهي تعبّر عن تبدل عميق في تفكير جيل الشباب، إذ لم يعد جيل الشباب الجنوبي يرى فرصة لبناء حياة مهنية أو إكمال التعليم الجامعي في بلداتهم، فالطالب يبحث عن جامعة مستقرة، والموظف يخشى خسارة عمله عند أي تصعيد، والمزارع لم يعد قادراً على تحمل خسارة مواسمه دون أي تعويض أو سند مالي. وحتى الذين اختاروا العودة خلال فترات الهدوء، تحركهم العاطفة والارتباط بالبيوت، لا الطمأنينة تجاه المستقبل أو وجود مقومات حقيقية للعيش.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية، فالانتماء وحده لا يكفي لبناء مجتمع مستقر بغياب مقومات الحياة اليومية. والقدرة على الصمود تحتاج إلى حد أدنى من الخدمات والأمان الاقتصادي، كذلك لا يمكن للعائلات بناء حياة ومستقبل لأبنائها فوق أرض مرشحة دوماً للاشتعال والدمار والتشريد.
ففي العقود السابقة، نجح سكان الجنوب في إيجاد صيغة للتعايش مع الأخطار الأمنية والاستمرار في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن التصعيد الأخير، المتزامن مع الانهيار الاقتصادي والمصرفي في لبنان، كشف عن ضعف شديد في البنية التحتية والمدنية للمنطقة.
ومع غياب مؤسسات الدولة عن تقديم المساعدات وإعادة الإعمار ودعم قطاعات التعليم والصحة والكهرباء، تُترك الأهالي لمواجهة مصيرهم بالاعتماد على إمكانياتهم الفردية والذاتية التي استُنزفت بالكامل.
والغريب في الأمر أن السجال السياسي اللبناني يتجنب الخوض في هذه التفاصيل الحيوية. إذ ينصب التركيز بالكامل على تطبيق القرار 1701، وشروط التفاوض، وقواعد الردع، دون الالتفات إلى مصير المجتمع نفسه. فالقرى الحدودية مهددة بالتحول مع الوقت إلى بلدات يقطنها كبار السن فقط، بعد هجرة طاقاتها الشابة ونخبها من أطباء ومعلمين ومهندسين باتجاه بيروت أو دول الخليج وأوروبا.
كما أن الأخطر في التغيير الديموغرافي الحالي أنه لا يحصل بعمليات تهجير قسري معلنة، بل عبر الضغط الاقتصادي والأمني المستمر الذي يجعل البقاء خياراً شبه مستحيل. وهذا التفريغ لا يهدد أمن الجنوب وحده، بل يمس عمق السيادة اللبنانية، فالأطراف لا تُفقد فقط بالحروب، بل عندما تتحول إلى مناطق غير صالحة للسكن والعمل. كما لا يمكن للمجتمعات المحلية أن تعتمد بشكل دائم على التعبئة والتضامن الأهلي، فالناس بحاجة إلى آفاق واضحة، وفرص عمل، واقتصاد مستدام، وشعور بأن أبناءهم يكبرون في بيئة طبيعية لا في ساحة مواجهة دائمة. والدولة اللبنانية تقف متفرجة دون تقديم أي رؤية إنمائية أو خطط إسكانية متوسطة أو طويلة الأجل تحفز الشباب على البقاء وتمنع الهجرة.
كذلك، تبدو الأحزاب والقوى السياسية متمسكة بخطابها العام، فالجميع يتكلم باسم المنطقة وأهلها، لكن قلة تسعى إلى تأمين شروط عيش طبيعية للأفراد والعائلات. ووسط التجاذبات الدائرة، مما يرجّح تحوّل الجنوب اللبناني إلى منطقة مهجورة بعد سنوات إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه. أما الخطر الأكبر اليوم، فهو ليس احتمال نشوب حرب جديدة فحسب، بل التأقلم مع فكرة أن الحياة في القرى الحدودية أصبحت مؤقتة وغير قابلة للاستمرار، فالبلدات لا تنتهي فقط بسبب الدمار، بل عندما يفقد أهلها القدرة على التخطيط للمستقبل فيها.