لبنان بين تهديد الضاحية ومفاوضات واشنطن
حين يجلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات في واشنطن اليوم وغدًا، لن يكونا في الواقع أمام جولة تفاوضية عادية، بل أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، يأتي بعد ساعات فقط من تجنب لبنان وإسرائيل مواجهة كانت مرشحة للاتساع بصورة دراماتيكية.
فالتدخل المباشر للرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحتواء التهديد الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن مجرد خطوة تكتيكية لمنع تصعيد ميداني جديد، بل شكّل أيضًا محاولة واضحة لإنقاذ المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن منذ أشهر، ومنع انهياره قبل انطلاق جولته الأكثر أهمية.
ولهذا تبدو الاجتماعات المرتقبة في العاصمة الأميركية مختلفة عن الجولات السابقة، لأنها تأتي في لحظة يتداخل فيها الأمني بالعسكري، والسياسي بالإقليمي، فيما تحاول الولايات المتحدة اختبار إمكان الانتقال من إدارة المواجهة إلى بناء تفاهمات أكثر استقرارًا على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
البنتاغون لم ينجح في كسر الجمود
المؤشرات التي سبقت الجولة الحالية لا توحي بوجود اختراق وشيك. فالاجتماعات الأمنية التي استضافها البنتاغون في التاسع والعشرين من مايو/ايار الماضي، بمشاركة وفدين عسكريين لبناني وإسرائيلي وبرعاية أميركية، لم تتمكن من إنتاج نتائج ملموسة، رغم الآمال التي عُلّقت عليها.
وبحسب المعطيات المتداولة، انحصر النقاش في آليات منع الاحتكاك، ومفهوم "المنطقة التجريبية" التي يمكن أن تشهد انتشارًا تدريجيًا للجيش اللبناني، إضافة إلى البحث في التسلسل العملي لأي خطوات ميدانية محتملة.
لكن جوهر الخلاف بقي على حاله. فإسرائيل لا تزال تشترط خطوات ملموسة ضد حزب الله قبل أي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية، فيما تتمسك بيروت بأنّ وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسبقا أي ترتيبات أمنية جديدة.
وهذا يعني أنّ المفاوضات السياسية الحالية تنطلق من نقطة جمود أكثر مما تنطلق من أرضية تفاهم.
ترامب يمنع الانفجار
غير أنّ التطور الأهم خلال الساعات الماضية لم يكن تفاوضيًا بقدر ما كان ميدانيًا، فمع تصاعد التهديدات الإسرائيلية ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، بدت المنطقة وكأنها تقترب من مواجهة جديدة قد تطيح بكل المسار الدبلوماسي القائم.
لكنّ التدخل الأميركي السريع غيّر المشهد، فبحسب ما تسرّب من الاتصالات التي جرت بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، نجحت الإدارة الأميركية في التوصل إلى تفاهم مؤقت يقوم على معادلة بسيطة: وقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية مقابل امتناع حزب الله عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل.
ورغم محدودية هذا التفاهم، فإنه يحمل دلالة سياسية مهمة، فهو يكشف أنّ واشنطن لم تعد تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل باتت تمارس دور الضامن المباشر لمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، ولو بصورة مؤقتة.
معركة التفاوض الحقيقية داخل لبنان
لكنّ العقبة الرئيسية أمام نجاح المفاوضات قد لا تكون إسرائيلية أو أميركية بقدر ما هي لبنانية، سيما أنّ الجدل الذي رافق الساعات الأخيرة سرعان ما أظهر مرة جديدة حجم التباين داخل الساحة اللبنانية حول إدارة الملف التفاوضي نفسه.
ففي الوقت الذي سعت فيه الرئاسة اللبنانية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإدارة الاتصالات مع واشنطن، برزت مبادرات ومواقف متعددة صدرت من قوى وشخصيات أخرى، ما أعاد إلى الواجهة السؤال القديم حول الجهة التي تمتلك القرار النهائي في القضايا السيادية الكبرى.
وتزداد أهمية هذا السؤال لأنّ المفاوضات الحالية تختلف عن المحطات السابقة، فهي لا تبحث فقط في ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، بل تلامس بصورة غير مباشرة مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وحدود سلطة المؤسسات الرسمية في إدارة ملفات الحرب والسلم.
ومن هنا يصبح نجاح التفاوض مرتبطًا بقدرة الدولة اللبنانية على التحدث بصوت واحد أكثر مما يرتبط ببراعة الوفد المفاوض نفسه.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
انطلاقًا من الوقائع الحالية، يمكن رسم ثلاث مسارات رئيسية للجولة التي تبدأ اليوم (الثلاثاء):
السيناريو الأول يتمثل في نجاح واشنطن في تثبيت تفاهم محدود يركز على وقف إطلاق النار ومنع التصعيد، من دون الدخول في القضايا الأكثر تعقيدًا. ويُعتبر هذا السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تحقيق تقدم تدريجي في ملف الانتشار العسكري جنوبًا، وربط أي انسحابات إسرائيلية إضافية بخطوات ميدانية يقوم بها الجيش اللبناني بدعم أميركي ودولي.
في المقابل، يبقى السيناريو الثالث قائمًا، ويتمثل في عودة التوتر الميداني إلى الواجهة وانهيار التفاهمات المؤقتة تحت ضغط الحسابات الإقليمية أو الخلافات الداخلية اللبنانية، ما يعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد.
بين الهدنة والتسوية
في المحصلة، لا تبدو واشنطن اليوم أمام فرصة لصناعة سلام تاريخي بين لبنان وإسرائيل، كما لا تبدو المنطقة مقبلة على تسوية شاملة تنهي عقودًا من الصراع، لكن ما تسعى إليه الإدارة الأميركية هو أمر أكثر تواضعًا وربما أكثر واقعية: منع الحرب المقبلة، فالتحول الحقيقي الذي يجري اختباره حاليًا ليس الانتقال من الحرب إلى السلام، بل الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق الاحتواء المنظم.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل تستطيع الهدنة التي وُلدت تحت ضغط التهديدات والغارات والاتصالات الهاتفية أن تتحول إلى قاعدة سياسية أكثر ثباتًا، أم أنها مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من الصراع؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه مفاوضات واشنطن، وهو أيضًا التحدي الذي سيحدد مستقبل الجنوب اللبناني في المرحلة المقبلة.